‏ رواق الموت

2020-09-19 | منذ 1 شهر

 (فريدا كاهلو)

هاجر أولاد عيسى*

في متاهة من المرايا، على طول رواق مخيف، مُضاء بمصابيح خافتة، تكاد تكون غير مرئية، تنتصب مرآة عملاقة معلقة بعشوائية مستهترة على الجدار.

مع كل خطوة تتردد في أرجاء المكان، يبرز وقعها جيدًا في كل لحظة. قطرات الماء النازلة من السقف تخلف موسيقى رتيبة. وسط هذه الفوضى من الأصوات، يظهر شخص ما قرب المرآة، علامات التعجب تزداد تحكمًا على صفحة وجهه كلما اقترب منها.. إن أمعنت النظر إلى تقاسيم وجهه فكأنما كانت تقول "يبدو شكلي غريبًا". ضحك على نفسه بسخف.. واستمرت ضحكته تتردد كرجع صدى في المكان لتصير مصدر رعبه، وهو الكائن الحي الوحيد في متاهة هذا الرواق.

حرارته ارتفعت فجأة.. أحس بألم طفيف على خده الأيمن. يده تسللت ببطء كما لو أنها تعلم أن ما حدث ليس بالأمر الهيّن. تحسس وجنته ونظر إلى يده المرتجفة، تلك الأصابع التي تلمست وجنته صارت تسبح الآن في عالم من اللزوجة الدافئة.. بل هي دماء حمراء قانية، وجنته "تزينت" بشق على العرض. وبينما هو يستوعب الواقعة نكزته أذنه اليسرى.. هي الأخرى كانت مجروحة. رجفة سريعة، وقشعريرة عارمة مرت على طول عموده الفقري. تدارك عقله أخيرًا وضعه. أدار رأسه نحو المرآة الغريبة، وأمعن النظر فيها طويلًا.. لم تكن مرآة تغير من شكل الشخص، وإنما هي مجموعة من سهام رفيعة قاطعة حادة، مصفوفة بإتقان بعضها قرب بعض. اكفهر وجهه، وشحبت ملامحه دفعة واحدة. استدار يبحث عن مهرب عله ينفذ بنفسه من هذه الورطة.

يا لسخرية القدر! أدرك أنه موجود داخل رواق طويل، رواق الموت.

أطلق قدميه للريح آملًا أن تنقذاه من قدره البائس.

لكن...

صوت ارتطام قوي دوَّى في الرواق. أرض باردة، ومشهد مقزز تقشعر له الأبدان. كما لوحة رسمت بغتة لشخص ألقي به على الأرض، تميزها - أي اللوحة - دماؤها المتطايرة في الرواق.. وأنفاس متقطعة مختنقة يمكن سماعها بصعوبة، هي الأخرى، وكلمات بالكاد كان صاحبها يرفع بها تقريرًا لسيده:

ــ تمت تصفية الهدف.

وبدلًا من وابل من التصفيق، ساد صمت صارخ، صمت أبدي.

 

  • كاتبة من المغرب

 



إقرأ أيضاً


التعليقات

لا توجد تعليقات حتى الآن ، كن أول المعلقين

إضافة تعليق





شخصية العام

كاريكاتير

إستطلاعات الرأي