مساء برليني

2020-09-01 | منذ 9 شهر

عمرو حمزاوي*

 

لم ينتبه بداية إلى تحيتها. كان يجلس في الشرفة، مجترا بعض ذكرياته في هذه المدينة الجميلة ومسترجعا أحداث الأيام الأخيرة. ابتسم لها حين كررت التحية، وعرفته بنفسها قائلة:
– اسمي كاترين. أسكن في الشقة المقابلة لشقتك. لم أرك هنا من قبل.
أخبرها باسمه وبأنه مستأجر جديد، ولم يمض على وجوده في الشقة المقابلة لشقتها غير يومين.
– ستعجبك السكنى هنا. فالبناية هادئة والسكان متعاونون للغاية. هل أنت هنا بمفردك؟
تلعثم. شعر بمزيج من الفضول والتطفل لم يعتده من أهل هذه المدينة. التفت إلى أنها تقرض لغة البلاد التي هم فيها بلكنة أمريكية طاغية. أدرك أن أسئلة السيدة لن تتوقف وأنها عازمة على اجتذاب أطراف الحديث. قرر أن يقذفها بمعلومات كثيرة عن أماكن وأسماء وحيوات وعذابات، حتما ستتجاوز الطاقة الاستيعابية «للحديث العابر»، الذي تنتويه وستورطها في ما لا تبتغيه، وتنزع عنها في ما خصه مستقبلا خليط الفضول والتطفل، وتمكنه هو من إفــــراغ شيء من الشحنة العاطفية التي كانت تثقله وحيدا في هذا المساء.
قال إنه هنا بمفرده وليس بمفرده. يعمل في الولايات المتحدة الأمريكية، وله في هذه المدينة ابنان يعيشان مع أمهما في بناية مجاورة. قبل الجائحة ومنذ انفصلت الأم عنه وشرع هو في العمل والحياة في مدن أخرى، اعتاد أن يأتي إلى ولديه كل شهر ليقضي معهما أسبوعا لرعايتهما والاقتراب الدائم منهما. قبل الجائحة، كان وجوده مع ولديه يعني دائما المبيت في منزلهما، وساعده على ذلك علاقته الرائعة بأمهما. غيرت الجائحة الأمر، واستدعت مقتضيات العزل المنزلي للقادمين من الخارج أن يستأجر الشقة التي هو بها الآن لكي يحمي أسرته من الخطر، ولكي يستمتع بالقرب منها.
توقع أن تزعجها الدفقة الأولى من المعلومات، وأن تدفعها إلى البحث عن مخرج يمكنها من الانسحاب مبتعدة، إلا أنها لم تبد امتعاضا، بل عبّرت برقة عن تعاطفها معه ومع ولديه وعن رغبتها في مواصلة الحديث قائلة:
– لابد أن ولديك وأمهما في غاية السعادة لحضورك إلى مدينتهم. ولكن لماذا لم تستأجر شقة أصغر من هذه الشقة التي لا تحتاج بمفردك لمساحتها الكبيرة؟ هل أنت من ميسوري الحال الذين لا يفكرون كثيرا كيف ينفقون أموالهم؟
أدرك أنه أمام إنسانة لا ترغب في مجرد الحديث العابر. لأسباب لا يعلمها، تريد الإنصات إليه وتشجعه على البوح بما يعتمل في وجدانه. هل هو سحر هذه المدينة التي دوما ما كانت الملاذ الآمن في أزمات حياته، وأبدا لم تدر ظهرها له في لحظات ضعفه؟ هل تضامنت معه «السماء فوق برلين» مجددا وأرسلت له هذه السيدة الأمريكية لتمسح على قلبه وتخرج عقله من دوائره المغلقة في هذا المساء؟
قال، وقد عزم على إسقاط الحواجز بينها وبينه، إنه ليس من الأغنياء وله في استئجار الشقة المقابلة لشقتها مآرب أخرى. روى لها أن له ابنة من علاقة ثانية انتهت هي أيضا بالانفصال، وأن الابنة وأمها تعيشان بعيدا عن الولايات المتحدة وعن هذه المدينة في مكان لا يستطيع هو حاليا وبسبب تعقيدات السياسة العودة الآمنة إليه. قبل الجائحة، كانت الابنة تأتي إلى هذه المدينة لتلتقيه هي وأخواها وتمضي معهم كل العطلات المدرسية وأسابيع الصيف التي صارت الأوقات الأجمل في حياته. يعتني بأولاده، يساعدهم على الاقتراب من بعضهم بعضا وتقلبات علاقاته وأحواله هي التي فرضت عليهم التباعد، يتبادل مع أولاده لحظات حب صادقة أبدا لم يبخلوا عليه بها وقدمها هو على كل شيء آخر في عالمه. في معية أولاده، هو أب فقط. قبل الجائحة، كانت العطلات المدرسية والإجازة الصيفية فرصته الأمثل لصون العلاقة الجميلة مع أم الولدين، للسعي لتطوير علاقة مشابهة مع أم الابنة، لاستعادة شيء من ثقته في نفسه كأب وإنسان وصديق بعد إخفاقاته المتكررة كشريك حياة وزوج.
كان ذلك ولسنوات عديدة واقعه قبل الجائحة. أما وأن الجائحة قد اغتصبت الأرض عنوة صانعة من الحدود بين الدول حواجز غير قابلة للاجتياز، وجاعلة من السماوات المفتوحة مآثر أزمنة ولت، فقد صار أمر قدوم ابنته وأمها إلى هذه المدينة محاطا بتعقيدات غير مسبوقة لإغلاق دول الاتحاد الأوروبي أبوابها في وجه غير المواطنين وغير المقيمين. ينتظر هو، إذن، في الشقة المقابلة لشقتها وبعد أن تقدم بطلب للجهات الحكومية المسؤولة أن يتاح استثناء لمواطنتين مصريتين تحملان تأشيرات سياحية للقدوم لهذه المدينة.
خلال سرده، قاطعته أكثر من مرة إما مستفسرة عن أشياء بعينها، أو مبدية للتعاطف مع حال أسرته وحاله. خلال سرده، لم تبتعد عينيها أبدا عن عينيه ولم يظهر عليهما غير علامات الإصغاء والاهتمام. توقف عن السرد، فقالت:
– هذا وضع مؤلم بالفعل. نردد أن الجائحة تغير حياتنا جميعا، وأن الصعاب التي نتعرض لها اليوم كبشر أضحت متشابهة. غير أن الحقيقة أبعد ما تكون عن ذلك. هل ستصدقني إن قلت لك إنني شعرت بحزنك منذ مجيئك؟ لم آت إليك رغبة في تعارف سريع على جار جديد، أو في حديث عابر مع رجل وحيد، بل للاستماع إليك. طاقتك الباحثة عمن تبوح له بما في داخلك هي التي استدعتني إليك.
– أشعر بصدقك. اعتادت برلين أن تضمد جراحي ما أن أصلها، واستماعك إلى حكايتي فيه من ذلك الكثير. أعتذر إن كنت قد أثقلت عليك في هذا المساء الجميل.
– لن أثقل عليك أنا الآن. فقط أريدك أن تعرف أن نداءاتك تبلغني وإنني حاضرة لمواصلة الاستماع والحديث في أي وقت تشاء. فكما يقول معلمي «أنت مثل جميع من في الكون، تستحق الحب والعاطفة»!
ودعته متمنية له ليلة هادئة. تمنى لها أحلاما سعيدة، وشاهد حين استدارت عائدة إلى شقتها تمثالا لبوذا يتوسط شرفتها ومن حوله ألقيت حفنة من الخيوط المضيئة والورود.

٭ كاتب مصري

 



إقرأ أيضاً


التعليقات

لا توجد تعليقات حتى الآن ، كن أول المعلقين

إضافة تعليق





كاريكاتير

إستطلاعات الرأي