حكايــــــــــة الحــــــــــرب - عبدالناصر مجلي *

2020-08-27 | منذ 10 شهر

فجأة قامت الحرب من مكانها وأصبحت الورشة ساحة ملائمة للعراك، أخذ عبدالله يكيل الضربات إلى زميله الأسود حتى أوشك أن يقتله, مستعيناً بلوحٍ خشبي مليئ بالمسامير الصدئة، ولأن الضرب قد يؤدي إلى قتل الرجل الضخم الجثة، فقد تدخل صراخ النسوة القريبات من موقع الحادث ليجعل بقية العمال في المواقع الأخرى يدركون أن ثمة شخص يوشك على ملاقاة حتفه، فهرعت الأمة السوداء وأثناء ركضهم إلى الموقع الذي يصنع فيه الفتى عبدالله بجنون أحمق مشروعاً صغيراً للقتل، استيقظت أحقاد الشعوب فعقدوا العزم دون تفاهم مسبق على فعص الولد عبدالله وهي فرصة جيدة كذلك لتمرين عضلات الشحم التي يرتدونها، وأيضاً لإظهار مدى بأسهم أمام عشيقاتهم، ولأن الحظ دائماً أعور فقد تدافعت أمة أخرى باتجاه الموقعة، تجلدهم مرارات الغربة وتاريخ عريق من القهر في تلك الأوطان التي لفظتهم، وعقدوا النية دون اتفاق مسبق أيضاً على الدفاع عن اللعين عبدالله الذي أدخلهم دون رغبة في معمعة معركة لا يريدونها.
والتقى الجمعان بينما الوغد عبدالله لا يزال بهمة يحسد عليها عاكف على إتمام مشروعه الصغير لتحطيم الضحية التي علا صراخها، بالطبع استخدمت واستحدثت أسلحة متعددة الأغراض، قطع أخشاب، ألواح معدنية، قوارير زجاجية، حتى أوشك الرجال على استخدام السكاكين وربما مسدساتهم التي كانوا يحملونها خفية، والنساء يولولن ويصرخن ويلطمن خدودهن اللماعة، لم يشددن شعورهن، لأنهن انفقن مبالغ باهظة للعناية بها وجعلها تلالاً غريبة من شعرٍ اصطناعي.
هرع مسئولي الورشة الكبار عاقدين العزم هم أيضاً أو ليسوا مسئولين, على إظهار مدى شدتهم مع عمالهم، لكن لم يلتفت إليهم أحد، بل أن أحدهم قد حاز على لكمة غادرة هشمت أنفه وأسالت دمه الغالي.
حينئذً لم يعد بُد من استدعاء البوليس الذي حضرت منه أمة مدججة بلوازم قمع الفتنة، عاقدين العزم هم أيضاً ولم لا على الرفس في المؤخرات والضرب بهراواتهم الحكومية في الأعناق وهكذا كان، لكن هذا لا يعني بأنهم خرجوا سالمين فقد أقعدت أحدهم رفسة محكمة أصابته في خصيتيه وأطارت الشرر من عينيه، حتى أنه فكر للحظة بأنه سيقدم استقالته من سلك البوليس وينتحر لو أنه خرج بخصيتين معطوبتين.
سُحب عبدالله الفأر الشرس من قفاه ورُكل في مؤخرته إلى قلب زنزانة ضيقة وبقي ليلتين، وأُخذ الموشك على الموت إلى المستشفى وطرد بعض العمال من العمل وأوقف آخرين، وتوقفت النسوة عن شد شعورهن، كُن قد أقدمن على فعل ذلك عندما طال وقت المعركة رغم تدخل البوليس، وفقد البعض أسنانهم، وتهشمت بعض الأنوف ولاحت بشائر القتل.
هدأ الوضع تماماً وأُستأنف العمل وكل يلعق جراحه، مقسمين برؤوس أمهاتهم بأن المعركة القادمة ستكون أشد هولاً ورعباً، ولا رحمة فيها حتى وأن أقدمت النساء على نزع أطقم أسنانهن ورموشهن الاصطناعية.


ويستلاند - صيف 1997 ( من مجموعة الأعمال القصصية الكاملة)


....................................................


* شاعر وقاص وروائي يمني أمريكي
* اللوحة المرفقة :جدارية ديترويت تتألف من 27 لوحة تصور عمال المصانع في شركة فورد للسيارات



إقرأ أيضاً


التعليقات

لا توجد تعليقات حتى الآن ، كن أول المعلقين

إضافة تعليق





كاريكاتير

إستطلاعات الرأي