أميـرة - عبدالناصر مجلي*

2020-08-21 | منذ 10 شهر

* اللوحة المرفقة للفنانة التشكيلية اليمنية ألطاف حمديأميرة..
وسنابل رياح الخريف تهرول فوق وجه مساء المدينة النائمة يسمع لها هسيس الجوع والفاقة..
نادتني منتشلة إياي من همومي، ومن ضجيج زبائن المقهى وعالمهم الخانق المتشبع بالدخان والضحك
الذي يشبه البكاء، واشعلت ذبالة العين الذكرى، بالطفولة ولهاث "حبس أمان"(1) داخل أزقتنا الفقيرة وكركرة الأطفال القديمة..
- يا رجّال أمي مريضة أدلي ريال.. الله يخليك!
قدميها الحافيتين الرقيقتين تنغرزان كانتا في وجه الرصيف ينوشهما البرد، وعيناها البنيتان تبتهلان لي بمودة واستجداء
- قديه مرقدة في المستشفى(2).
- وأبوش ماله ما يصرف عليها(3)
وجمت ولم ترد علي ربما أفزعها سؤالي المبحوح بالمفاجأة لكنها كمن تود أن تخيب ظني فيما خمنته، تمتمت هامسة كأنما تحدث نفسها بحزن شفيف
- أبي سار البحر!
اسمها كان أميرة، أخبرتني وصوتها يرتعش عندما سألتها بشرود فأضاءت كلمات شفتيها اليتيمتين
ذات الثقة المشحونة بشجن لم أفقهه شارعنا المظلم وأوقدت فيّ نار السنين..
- أمي مريضة..!
أسمها عذب وجسدها النحيل تنهشه صنعاء بكلابها الضالة ونومها الكسيح
- وما قد رجعش من البحر؟!!
- منهوه!!
كنت ألقي عليها أسئلتي بآلية جامدة وكانت تجيبني بنفس طريقتي لكن بصدق.
- أبوش!!
- ماعاد عيرجعش....(4)!!
أجابتني محنية الرأس تراقب قدمها اليسرى وهي تمسح وجه الرصيف بحيرة
- قالت أمي أنه يمكن قد ضاع أو فحسته سيارة(5).
أبكتني من الداخل هذه المخلوقة الهشة بينما عيوننا تبحث في بعضها عن ذواتنا وهمومنا الكسيرة، فنهرتني بصوتها الرقيق عندما طال صمتي..
- يله(6) أدلي الريال.. قوى!! (7)
أضاءت قناديل القلب المطفأة هفهفة خصلات شعرها المتناثرة على صفحة وجهها القمحي، كشلال منسي عند نهر مقدس بعيد، وأذابت بدفء يديها الحنونتين غابات صدري الثلجية وهي تشدني من يدي بدلال ورجاء.
أبتسمت لها من خلال دخان سجارتي المتطاير وصمتي يجترح الدمع داخلي وضجر ما بعد القات والحزن الليلي المعتاد، وهززت رأسي بالموافقة, حينما ذهبت ممتلئة باليأس والتعب يسكن كفها ريالي الوحيد، متوارية وراء عقارب التاسعة وأضواء المقهى الكابية واختفت حزينة، أظلم الشارع الضيق بالتراب وفضلات المارة الجافة وعطن البول الحاد وصار للشاي في لساني طعم السراب.
كان اسمها أميرة.. وجهها حبيب وأمها مريضة..
ذهبت تلاحق وعود الجرائد "وكدمة" العشاء(8)
رحلت أميرة الحافية إلى حيث لا أدري
وفي السماء البعيدة
أختفت نجمة صغيرة
وانتشر الظلام.

صنعاء- خريف 90
.......................................................

* شاعر وقاص وروائي يمني أمريكي
* من مجموعة (ذات مساء ..ذات راقصة) - الأعمال الكاملة
* اللوحة المرفقة للفنانة التشكيلية اليمنية ألطاف حمدي

هامش:
1 لعبة شعبية يقوم بها الصغار.
2 هي. في العامية اليمنية.
3 والدك. في العامية اليمنية.
4 ألن يعود. في العامية اليمنية.
5 سحقته. في العامية اليمنية.
6 هيا. في العامية اليمنية.
7 لو سمعت. في العامية اليمنية.
8 خبز شعبي يمني.



إقرأ أيضاً


التعليقات

لا توجد تعليقات حتى الآن ، كن أول المعلقين

إضافة تعليق





كاريكاتير

إستطلاعات الرأي