أقاصيــــــص ملونـــــــة - عبدالناصر مجلي

2020-07-20 | منذ 11 شهر

تاريــــــــــــــخ

 

علبة حلوى صغيرة أخذها خلسة دون أن يدرك أن ثمة عين تراقبه، ستة أشهر كاملة قضاها في السجن، صور عديدة التقطت له في أوضاع مختلفة، طبع أصابعه على عشرات الأوراق، وعندما خرج من السجن كان قد فُصل من مدرسته الثانوية وهو في الصف الأخير قبل التخرج، فرض عليه أن يعود كل أسبوع إلى قسم البوليس ليشرح لهم تاريخه الأسبوعي أمام ضباط مفتولي العضلات أجلاف، كان يسأل نفسه هل قُدر عليه أن يدفع مستقبله كله ثمناً لعلبة حلوى قيمتها بضعة سنتات، كان يحب المدرسة وكان يتمنى أن يكون مطرباً مشهوراً و..... و......، وها هي النتيجة ماثلة أمامه من شارع إلى زقاق، ومن حانة إلى مقهى، صادق السلاح وصار له رفيقاً، دخل السجن كثيراً، وتعرض للضرب من قبل رجال البوليس البيض لأتفه الأسباب، "لو لم أكن أسود هل كنت سأواجه كل هذا العذاب؟!", سؤال العمر ينطحه في كبده، أراد التراجع، لكنه كان قد قطع شوطاً طويلاً في الضياع, "ذلك ليس عدلاً أبداً...", ومن الغيظ، "أنا الذي سلمت لهم نفسي، أنا الذي أنهرت بسهولة"، حينما أتته المنية كان قد أنقضى وقتاً طويلاً على تشرده وضياعه، في أماكن ومدن وعناوين مختلفة، أحياناً ينام في حديقة ما صيفاً وأخرى في شاحنة محطمة شتاءً، وعندما وجد متجلداً مدفوناً تحت الثلج، كان قد سلخ سبعون عاماً من الضياع قبل أن يستريح.


أركــــــــبُ الحافلـــــــــة وأمضــــي*

 

"نعم سأذهب مع أخوتي إلى واشنطن"*, قالها جاني لنفسه، كما لو أنه كان يجب عليه أن يقولها منذ فترة طويلة، توقف عن شرب علبة البيرة التي أمامه، وقذف بأوراق اللعب من يده ونهض بغضب، توقف زملائه في السهرة عن الثرثرة، أخذ معطفه وصفق الباب ورائه مستقبلاً بصدره نسمات الفجر الأولى، أخذ نفساً عميقاً، كز على أسنانه وواصل طريقه "كلهم سيكونون هناك..وأنا أيضاً ينبغي علي أن أذهب..أن أكون بينهم كتفاً لكتف", وكمن تذكر شيئاً عاد أدراجه باتجاه واحد، سكتوا عن الكلام محدقين فيه، نطق أخيراً, "سيكون أخوتنا جميعاً هناك في نشيد قوي تحت شمس واحدة..ماذا عنكم", لم ينطقوا، نظروا في عيون بعضهم،"سأكون معك" كان صوت إمرأة، قذف الجميع بأوراق اللعب ونهضوا واقفين.. "ونحن كذلك".


مداهمــــــــة

 

تأكد من تعميرة مسدسه جيداً كذلك رفاقه، كانوا يتقدمون مثل قطط مسكونة بالرعب يكاد لا يُسمع لهم صوت، وفي آخر المشارع المدمر الواجهات المحروق البيوت كما لو أن حرباً مرت من هناك، أخذت ثلة من بني جلدتهم يرقصون على أنغام موسيقى صاخبة، يخاصرون فتيات مثل قوالب الشيكولاتة لا يدرون ما الذي يحيط بهم تحت سماء آخر ليلة صيفية لهم على الأرض، تقدم الآخرون بإشارة من يده، ثوان معدودات وتحول الشارع الموحش إلى مسلخ، أنهمر الرصاص من كل حدب وصوب باتجاه الراقصين، تساقطت أجسادهم السوداء كأعجاز ثقبت دون شفقة، أنتهت المهمة وعاد أصحابها يرفعون إشارات النصر "لقد زنينا بأمهاتهم ولن ينافسونا مرة ثانية في أي شارع بعد الآن"، عادوا يمزقهم حبور وحشي, وفي بيت كبيرهم أسالوا حنفيات الخمور وصعّدوا من دخان الحشيشة، واستنشقوا الدقيق الأبيض الذي يأخذ بالألباب وأشعلوا حفلة ماجنة برقصهم وصراخهم على أنغام موسيقى تذكر بموسيقى الذين قتلوهم.


اغتيـــــــــال

 

كان يدرك بأن ذلك الفتى العربي لا يتكلم الإنجليزية بطلاقة ولذلك فهو هدف سهل، عقد العزم على القتل "حتى لا يشيء بي عند البوليس" صندوق المال دافئ ولا شك، والدكان لم يقفل بعد آخر المدينة في ليلة سبت شتوية لا تاريخ لها، تقدم يسبقه ظله ومثل قضاء خائن وجد نفسه أمام ضحيته.
لم يفه بشيء، أشهر مسدسه في وجه من شاء حظه أن يكون أمامه في تلك اللحظة ودمره بنيرانه، تراجع المغتال مذعوراً إلى الخلف محاولاً تغطية وجهه بذراعيه، لكن الرصاص كان يعرف جيداً مكان القتل، فثقب الكفين والجمجمة والصدر، خمس طلقات مسعورة نهشت الجسد المقابل.
وطأ الجثة بقدمه وبعجلةٍ خاطفة فتح صندوق المحاسبة وأخذ الدولارات وغطس في لجة الليل الشتوي المقفر، قبل عودته إلى مسكنه عرج على أحد الأزقة التي يعرفها وأبتاع النشقة السحرية* وأستعاد توازنه، وقبل أن يأخذ حماماً ساخناً أتصل بعشيقته ودعاها إلى حفلة صغيرة.
في الصباح التالي كان ينام بين أحضان إمرأته نوماً عميقاً، بينما في الجهة الأخرى للأرض كان ثمة نواحٍ مكلوم يمزق عنان السماء. 


حكايــــــــة

 

كان لوني مسبة لي والنظرات الزرقاء تكشفني حتى الأعماق وتجردني من إنسانيتي، كنت أريد الفرار من الشارع الذي أسكنه، الهروب من لعنة المخدرات والقتل، قُتل أخي على قارعة الطريق مثل كلب شريد، وأودت التجارة بالسموم بأبي إلى حفرة السجن العميقة حتى قيام الساعة، عملت مغسلاً للصحون والحمامات في مطاعم البيض بأجرٍ بخس، أكلت البطاطا والخبز لأوفر مصاريف الجامعة، كانت طريقاً طويلة قطعتها وحدي، محطم القلب، ملعون اللون، والآن ها أنا في مكتبي في هذه العمارة الشاهقة أدير شركة عملاقة للإنشاءات، وأبنائي في الجامعات المختلفة، لكنني ومع هذا الثراء, لا زلت أحن إلى طفولة أُغتصبت مني وإلى عمر مثخن بالجراح، أب سكير وبائع مخدرات وأمٍ تعمل في بيوت الآخرين، وها أنا الآن في آخر الطريق. تعبت كثيراً حتى وصلت، من قال بأنني أخجل من لوني، نعم أنا رجل أسود أوصلته دموعه ومثابرته إلى حيث أراد, لكنني لا زلت أشعر بفقدٍ عارم لشيءٍ لا أدريه، شيءٌ كبير لا حد له يئن بين ضلوعي منذ سنين طويلة، ولم تستطع كل هذه الثروة أن تُسكت صوته الحزين داخلي.


ديترويت – 96- الشتاء

...................
- شاعر وقاص وروائي يمني أمريكي

* المقصود هنا مسيرة المليون رجل في أكتوبر 1996م التي قادها لويس فرقان الداعية الإسلامي الأسود.



إقرأ أيضاً


التعليقات

لا توجد تعليقات حتى الآن ، كن أول المعلقين

إضافة تعليق





كاريكاتير

إستطلاعات الرأي