وقائع طمس

2020-07-11 | منذ 11 شهر

لوحة "امرأة مجهولة" للفنان إيفان كرامسكوي (1837 -1887)

حسام عبد الباسط *

حين مات قالوا: جُنَّتْ..

لم تصرخ، ولم تبك.. بل مالت على الرأس الذي هشّمته الهراوات، والجسد الذي ثقبته الرصاصات، وجهه المغمور بدماءٍ طازجة، ملامحه المطموسة.. غمغمت للحظاتٍ وكأنها توشوشه، ثم اعتدلت بملامح لم نرها من قبل.. لملمت أطراف ثوبها المترب.. ومضَ في عينيها بريقٌ له ألف لون، وارتسمت على وجهها تعابيرٌ مُحيّرة، ولم نفهم..

في ظهيرة كل يوم، تخرج من بيتها.. تقطع الطريق إلى نهاية البلدة.. تحمل سلّة مغطّاة تفوح منها روائح طيّبة.. تمشي بمحاذاة السور الحجري الأبيض الذي يمتد إلى ما لا نهاية.. تغوص أقدامها في الحشائش الخضراء التي تنبسط مثل سجادة عملاقة.. تسبح في زرقة السماء ونسائم الصيف.. تداعب عصافير الأشجار.. ثم تنحرف فجأة عبر بوابة حديدية مفتوحة إلى طريقٍ ترابي تلوح عبره شواهد القبور.. تدب قدماها النحيلتان، وترتفع سحبٌ من غبارٍ عتيق، يتكاثف لبرهةٍ، ثم ينقشع ببطء..

وكنا نلمحها من بعيد، وحينما نقترب، لا نجدها، ولا نجد الطريق الترابي.. وحينما نبحث نضل الطريق إلى بوابة المقابر.. نتعلل بالنسيان، وعدم الأهمية.. نتشاغل بسرب طيورٍ عابرٍ، وننسى كل شيء..

قبل المغيب بقليل، نراها عائدة.. تجوب الطرقات المعبّقة ببقايا روائح الياسمين ومسك الليل إلى بيتها.. سلّتها فارغة، وثوبها مُغبرّ.. تحمل ابتسامة، ووجهُها يشع سكينة واطمئنانا..

في السماء التي على شفا الظلمة؛ ترفرف أجنحةٌ سوداء عملاقة.. إلى قلوبنا يتسلل خوف، وعلى وجوهنا ينشع قلق، وربما نتشاجر.. فلماذا حين مات قالوا جُنَّتْ؟!..

وقائع لا يعرفها أحد:

(1) –  المرأة كانت حينما تلج الطريق الترابي عبر بوابة المقابر، تنظر خلفها.. تتأكد من أن ستائر الغبار قد انفردت، وأن أحدًا لا يراها، ثم تبدأ بالبكاء..

(2) –  حينما كانت المرأة تصل إلى قلب المقابر اللانهائية، تجثو على ركبتيها أمام شاهدٍ رخاميٍ أبيض عليه أحرف قاتمة ومطموسة تستند عليه شجيرة صبّار خضراء شاحبة.. تبتسم، وتُفرغ ما في سلّتها: طعام وفاكهة وشاي وماء.. ثمّة أصواتٍ تخرج عبر حناجر خفيّةٍ تبادلها الحديث.. وحيثما تمد يدها بالطعام والفاكهة إلى ما لا يُرى، كان الطعام يذوب في التراب ويختفي..

(3) –  حينما تهب نسمات المغيب، كانت المرأة تقوم.. تلملم أشياءها، وتمسك سلّتها الفارغة.. تمسح الدموع الممزوجة بغبار الطريق عن وجنتيها، وتمضي عائدة.. تنسى دائمًا أن تنفض ثوبها المترب.. وكانت تضلّ الطريق كثيرًا..

وقائع لا تعرفها المرأة:

شواهد المقابر كثيرة متشابهة، كلها رخاميةٌ بيضاء.. كلها مطموسة الأحرف.. وكذلك شجيرات الصبّار، كلها خضراء شاحبة.. وكذلك الموتى، متشابهون.. ما زالت رؤوسهم تحمل آثار الهراوات.. ما زالت أبدانهم تحمل ثقوب الرصاصات.. جلودهم محروقة لزجة ودماؤهم طازجة.. المقابر ممتدة.. والريح تهب خفيفة.. وفي السماء تحلّق طيورٌ بيضاء شاردة.. يدهمها الليل في شرودها، يصبغها باللون الأسود، فتبدو عملاقة، مخيفة.. والمرأة كانت تجلس في كل مرة أمام شاهد قبر مختلف وهي تظن أنه هو..

 

  • قاص وناقد مصري

 

 

 



إقرأ أيضاً


التعليقات

لا توجد تعليقات حتى الآن ، كن أول المعلقين

إضافة تعليق





كاريكاتير

إستطلاعات الرأي