« بإمكانك تحسين ذاكرتك»

2020-07-07 | منذ 11 شهر

بوريس بريتُو غارسيا ـ ترجمة محمد محمد الخطابي


على امتداد عشرة أيام وهم يحاولون التأثيرفييه ليعترف، لمن دفع المنشورات التحرشية؟ على سطح ذاكرته يطفو فقط اسم خوليان، أو ربما لم يكن خوليان بل ميغيل، ومهما يكن فقد كان اسماً مستعاراً، وبعدئذٍ هل كان طويلَ القامة؟ أم قصيرَها، هــــل تراه في هذه الصور؟ ليس هناك وسيلة للتعرف عليه، إن وجهه يتورم ثم سرعان ما يعود إلى حاله مثل نبات مائي تحت تأثير تيارات قوية.
كيف كان أنفه، فمه، إلا أنني في الواقع لا أتذكر شيئاً، يا لها من ذاكرة ضعيفة. وأفدح من ذلك هو أنه من فرط الضرب على الرأس يزداد الأمرُ سوءاً، إنهم يبدأون في القول عمارة ب 2، أو س6، أو كان في أ أو 2، أو ربما كانت العمارة الثامنة، إلا أنه، عجباً فذلك شبيه بمن يحاول أن يتذكر رقم لوحة سيارة عمه، أو رقم يانصيب، تلك الأرقام المتراقصة التي يحار فيها المرء، إن كانت هي أم ليست هي، وفى الأخير يكون الرقم الذي نطقت به هو رقم وثيقة تعريفك الشخصي، عندئذٍ رفسة من هنا، وركلة من هناك.
هل كان في المخبأ؟ أم لم يكن هناك رجل قميء مثلما يبدو في هذا الرسم من الصعب أن تميز بين العديد من البشر الذين يغدون ويرُوحون من وإلى مختلف الأماكن الحقيقية والخيالية، وسيكون صعباً أكثر عندما ينزعون كبد الواحد، لأن ذلك الغليان أو تلك الحرارة يشعر بهما بالقرب من المعدة، لا شك في أنه الكبد، فالكبد له علاقة بالحرارة المرتفعة جداً، ولا ريب في أن ذلك يؤثر فى الذاكرة، إذن كما ترون كيف لي أن أتذكر.
إنني لا أتذكر شيئاً، فكيف لي أن أعرف أو أتصور قائمة أسماء أشخاص، كيف لي أن أتذكر أرقام تليفونات، إذا قلت لكم على سبيل المثال إنني لا أتذكر أن السيد الذي أثار في نفسي الغثيان ودفعني إلى أن ألقي منذ قليل، هل كان إسمه « غونساليس» أم «هرنانديث» أم ربما كان اسمه «غوتييريس»، فما بالك إذا تعلق الأمر بأحداث وقعت منذ أشهر، وهي أشياء كثيرة لا علاقة ولا صلة لي بها. لقد أخذوني من الميدان الكبير داخل سيارة ولم ألتفت يميناً أو يسارا، لم أعر اهتماماً للطريق، والآن وقد أصبحت أشعر بالألم حتى من جراء بلع ريقي، ذلك إذا كان في إمكاني بلع ريقي، فإنني لا أتذكر إذا ما كانت الرفسة تنزل على حنجرتي أو ربما على…
إنني رجل أعاني من ضعفٍ في ذاكرتي، فأنا لا أتذكر حتى وجهَ عمتي «رُوساريُو»، بل إن ضعف ذاكرتي يجعلني لا أعلم من أين خرج هذا الاسم، إنه شبيه ببطاقة قديمة تعود إلى عدة سنوات، وعلى سبيل المثال إنني لا أتذكر إسمَ المدرسة، ولماذا أقول مدرسة، وهذا أفدح فأنا عندما أقول مدرسة ألاحظ أن هناك فراغاً أسود قاتماً صلباً، فذلك قد انتهى منذ مدة… أي. تراءى لي هناك فى مكان ما اسم كلبي (نسيته) منزل أخوالي (نسيته) لا وفراغ يا للهول، إنه الآن يزداد اتساعاً ويبتلع عروساً (تُرى مَنْ هي) ولكن ذلك لا يهم، إنه شبيه بمن يفقد ذراعيْه، ولكن تبقى له ذراع أخرى، إنني عندما أتذكر ذلك الوقت اكتشف أن الذراع الباقية تتراقص في الفراغ الذي يزداد اتساعاً وكبراً، ولا يبقى في الأخير سوى اعتقالي وهذه العشرة أيام التي….
إلا أنني أستطيع أن أتذكر كل ما فعلوه بي، إذا كان الذي فعلوه كان، إنه، لا ليس ذلك.
طيب أنا هو أنا، لي رأس وذراعان وقدمان وبدن، وهذا الإدراك، وبذلك أشعر على الأقل بأنني حي.. إنني حي، الموتى هم الذين لا يتذكرون، فأنا مثلاً لديّ ذراعان، ولكن الآن ماذا يعني ذراع، ولكن كيف سيكون، إذا كان الذراع هو، نعم إنني أتذكر جيداً أنه، شيء مثل الباقي، نعم الباقي، وأي شيء هو الباقي، وأي شيء هو شيء، وأنا هو أنا، أم هو الذي كان، وأي شيء يعني كان، وأسود، وفراغ، وكان.

٭ من كتّاب القصة القصيرة المعاصرين في فنزويلا، حاز عدة جوائز مهمة في هذا الصنف من الإبداع الأدبي في بلاده، وقد أدرجت أعماله القصصية غير قليل من الأنطولوجيات الصادرة في أمريكا اللاتينية

٭ كاتب ومترجم من المغرب



إقرأ أيضاً


التعليقات

لا توجد تعليقات حتى الآن ، كن أول المعلقين

إضافة تعليق





كاريكاتير

إستطلاعات الرأي