ليونيداس

2020-06-19 | منذ 12 شهر

صالح الرزوق*

وصلت إلى غليفتسة في صيف عام 1980. وأول شيء واجهني هو الثياب التي أرتديها.. كانت صيفية بنصف كم، وكنت ألبس نعلا رقيقا. لكن صيف بولونيا في الصباح قارس البرودة. عموما أسكنتني سوزان في غرفة في كارولينكا، وتقاسمتها مع مهندس ميكانيك سيارات يوناني اسمه ليونيداس. مدّ يده القوية وشدّ على يدي وقال: أهلا شريك.

وأردف: أنا ليونيداس. ويمكن أن تناديني ليون.

ابتسمت له بخجل. كانت هذه أول تجربة دولية لي، وهو من الواضح مخضرم، ثم اتفقنا على أن أناديه بليون قلب الأسد، أو الأسطة إذا دعت الحاجة. والأسطة لقب كل خبير بصيانة السيارات عندنا في حلب. وافق بهزة من رأسه مع تكشيرة إغريقية. هكذا يضحك أرسطو وأفلاطون إذن. قلت لنفسي. وأمضينا أول ليلة (in door) يعني بالعربي: في الداخل. كانت لدينا طاولة وكرسيان. وضع ليون على الطاولة زجاجة نبيذ بلون كهرماني أصفر، وأضاف معها الخبز المحمص، ومكعبات الجبنة الفرنسية. كان جاهزا. طبعا ليس من أجلي ولكن من أجل صديقته البولونية. وهي ممرضة كما علمت لاحقا، وغالبا ما يدعوها لتناول الطعام. وكان طعامه أبعد ما يكون عن التقشف البولوني المعهود. فالإنكليزي يعتقد أن الطريق إلى قلب الرجل معدته. أما اليوناني فيعتقد أن إكرام المرأة هو الطريق المضمون لامتلاك قلبها. إن أغدقت جيدا تكسب كل شيء. قال لي وهو يغمز بعينه ويضحك بوجهه المحمر والمتأثر من الشراب. جاملته بالضحك. ثم خيم علينا الصمت، ولاحظت أنه يدرسني كمن يقيسني بنظراته، ثم قال: كم عمرك؟

قلت بتردد: 18.

قال: شاب وذكي. لماذا لا تحلق شاربك؟

وفاجأني سؤاله الغريب، فسألته: ولماذا أحلقه؟

قال: بلا شوارب تبدو أفضل.

لم أعرف إن كان يمزح أم أنه جاد. وكنت حريصا على أن لا أغضبه، وبالأخص أنه سكران. قلت له بحذر: ولكن الشوارب رمز للرجولة، أليس كذلك؟

ويبدو أنه اقتنع، نظر لي مليا، ثم خبط على كتفي بيده، وهو يقهقه وقال: وكم بنتا اصطدت بهذه الشوارب، ها؟

غمرني الخجل ولم أعرف ماذا أقول له. من الواضح أنه لا يعرف شيئا عن مفهوم الشرف عند العرب. ثم وجدت لساني فشرحت له أن الإعجاب عندنا مسموح، لكن الحب حرام. نظر لي كأنه لا يصدق. فتابعت بصوت أعلى وأخبرته عن جرائم الشرف. وكيف يمكن أن يقتل الأب ابنته إذا أخطأت قبل الزواج. وهنا بهت لونه وقال: تطلقون الرصاص على العشاق؟

وضرب كفا بكف وهو يضحك كأنني ألقيت نكتة. ثم قضم من الخبز، ورفع كأسه لفمه، ويبدو أنه انتبه إلى أنني لم ألمس كأسي، فسألني: لماذا لا تشرب؟

ولم أكن كحوليا. لم أشرب الكحول بحياتي في الحقيقة. وقلت بكل بساطة: أنا لا أشرب.

كرر ورائي: ولا تشرب؟

وتابع طعامه، مع ابتسامة صفراء، وهو يدمدم: غريب. فعلا غريب.

هكذا تعارفنا. أنا وصديقي ليون. ليونيداس. قلب الأسد. الأسطة. وهكذا مرّت وقائع أول ليلة لي في بولونيا.

كان اسم البناية كارولينكا. وهي مخصصة للكفاءات الأجنبية أو الضيوف. كنت أسكن في الطابق الثاني، وعلى باب الغرفة لوحة باسم ليونيداس وعلم اليونان. ولوحة باسمي مع شعار النحلة المنتجة.. صورة نحلة عاملة تعزف على الغيتار. وتذكرت طنين النحل في بيت جدي في حلب. كان كئيبا بالأخص في موسم العنب حينما يهاجم كل عنقود بأسراب ويحوله إلى أعواد يابسة في غضون دقائق. النحل مع الكروم مثل الجراد مع النبات الأخضر. ثم رفعت العلم السوري على نافذة الغرفة بألوانه المعروفة.. ثلاثة مستطيلات: أحمر وأبيض وأسود. ورأيته وهو يرفرف في الهواء المثلج كأنه شيء كان مخبأ بين أضلاعي. ولم يكن هناك علم غيره إذا استثنينا القمصان والسراويل المغسولة. وكانت تسكن في الممر نفسه مجموعة من المدربات البولونيات، طالبات مكلفات بتقديم الخدمات للأجانب.

 

غمز لي بعينه كأنه لم يرتكب ذنبا للتو، ثم انصرف، وتركني وحدي مع الطقس المثلج البارد الذي يعصف من نافذته المسكورة..

كريستينا.. وهي عضو في جمعية البنات المسيحيات، ولها صليب يتدلى من رقبتها. ثم سونيا.. وهي شقراء لها قوام لاعبة كرة سلة، ولديها صديق هنغاري، ومولعة بتربية النباتات، ولكن لا أعرف لماذا تستعمل الضوء الأصفر الباهت. كانت غرفتها دائما تلتهب بلون غروب الشمس. وبقيت ليدكا.. وهي شقراء أيضا بثياب خفيفة وطبع متساهل، وتحتفظ في غرفتها بمعجم بولوني إنكليزي، وسمحت لي باستعارته، ومنه تعلمت ما يكفي لإلقاء التحية،. مثلا جيني دوبري (صباح الخير)، أو دوبري فيتسور (مساء الخير) أو ياك شي ماس؟ ( كيف الحال؟).

بعد التدريبات كنت أسارع للانسحاب إلى غرفتي والاستمتاع بالقراءة، فهي رياضة روحية لا غنى لي عنها. وكنت أحمل نسخة من «ملحمة جلجامش» بتعريب طه باقر، بالإضافة إلى «حكاية بحار غريق» لماركيز، و»لعبة الحلم والواقع» لجورج طرابيشي، مع مجموعة من القصص بعنوان «أجمل رجل غريق في العالم» لماركيز أيضا. وفي العادة أقرأ بين 10 و15 صفحة، ثم أقف بالنافذة وأسترق النظر للطبيعة، وأتأمل سحابات الضباب التي تغلف السماء في كل الأوقات، وتيار النهر الذي يتلألأ من مسافة بعيدة، وعلى ضفته المطعم الإيطالي الشهير (الغوندولا). وأنهي هذا الطقس اليومي بمشاهدة شجرة حزينة وصابرة. كانت تموت بشكل غريب مع أن كل ما حولها ينبض بمعالم الحياة. وكنت أسميها في سري «شجرتي» لأنها في رأيي صورة للأوضاع المتردية التي ننحدر إليها.

استمر صديقي اليوناني معي حوالي ستة أيام – أسبوع على أبعد تقدير. وكان يمرر أطول فترة من يومه مع صديقته. وأسر لي أنه يودعها، ولن يزور بولونيا بعد الآن. فهو لا يجد أنواعا جيدة من الويسكي، وأي طلب خاص يحتاج لدفع عمولة أو رشوة. وكان حريصا على أن لا يعلو صوته مع أن أحدا لا يسمعنا. وكنت بالفانيلة، بسبب عدم توفر قميص نوم لديّ. لقد أكلت هذا المقلب: أتيت لأصطاف، وإذا بنا وسط شتاء ماطر. هذا غير الوضع السياسي المضطرب.

كان ليون طويلا، قامته 176 سم وخصره بين 52 و54. ومع أنه ترك لي، بعد سفره جينزات جديدة، لم تنفع. ولدى استعمال الحزام كانت تبدو للناظر كأنها شروال.

وفي آخر يوم له في كارولينكا أحضر معه صديقته مارغريتا وعرفني بها. قال لها: سولي. هكذا كان يناديني، ومهما حاولت أن أصحح لفظه يكرر الخطأ. ثم قدمها لي باسمها: مارغريتا. تبادلنا مصافحة خفيفة مع ابتسامة رقيقة من طرفها. وكانت تنتظر أن أقبلها على وجنتها، لكن ارتدعت. أساسا لا تخطر لي مثل هذه الخاطرة. ورأيت ابتسامة ليون الساخرة، وبدأت أفهمها وأسمع ماكينة أفكاره وهي تردد: عبث. شعب عربي. أما أنا فقد كنت مقتنعا بأنني ابن الكارولينكا، انترناشيونال، ومعرّب، وهذا كل شيء، لأنه ليست لديّ مشاعر عرقية. والدليل قائمة الكتب التي أحملها معي. جلسنا ثلاثتنا حول الطاولة، أنا على كرسي ومارغريتا على الكرسي الثاني، واختار ليون أن يجلس على طرف سريره. وكانت هذه إشارة لمعدنه الصادق. وشربنا جميعا. حملنا كؤوسنا، وجاملتهم هذه المرة.

قالت لي مارغريتا: بصحتك.

كررت الكلمة، وحاولت أن أكون طبيعيا، لكن بكل تأكيد كان وجهي مثل خريطة بسبب الارتباك، فقد وجدت النبيذ مرا، مثل دواء الالتهابات أو السعال. وغطيت على ارتباكي بلمس طرف الكأس، من دون أن أشرب منه فعلا. ووجد ليونيداس سببا لينفجر بالضحك.

في وقت متأخر من تلك الليلة فتح ليونيداس الباب كأنه حصان هائج. ورأيته يربط يده بغطاء الوسادة ويكسر زجاج النافذة من دون أي مبرر، ثم مزق الستارة ورماها على الأرض. وأخيرا لف ثيابه بغطاء سريره ووضع كل شيء في حقيبته. وكنت أراقبه بصمت عجيب. وبعد أن انتهى وقف أمامي وقال ببراءة الأطفال: وداعا سولي. أنا مسافر. لم يخطر ببالي أن أسأله لم هذا الضرر. وقلت له بصوت خافت وبلغة بولونية فصيحة: دو زو باتشينيا موي بسياشيل (إلى اللقاء يا صديقي). غمز لي بعينه كأنه لم يرتكب ذنبا للتو، ثم انصرف، وتركني وحدي مع الطقس المثلج البارد الذي يعصف من نافذته المسكورة..

 

 



إقرأ أيضاً


التعليقات

لا توجد تعليقات حتى الآن ، كن أول المعلقين

إضافة تعليق





كاريكاتير

إستطلاعات الرأي