قارئُ الجدران

2020-06-06 | منذ 1 سنة

عبد الله سرمد الجميل*

أصرَّتْ عليها أمُّها أن تستشيرَ قارئَ الجدرانِ قبلَ شراءِ البيتِ؛ فهما يرغبانِ في عيشةٍ رغدةٍ بعد سنواتٍ من النَّحْسِ في البيتِ القديمِ. ذاعَ صيتُ الشيخِ في القريةِ بعدَ شواهدَ تبشيريّةٍ؛ فهوَ ما إنْ يضَعُ راحةَ يدِهِ على جدارٍ من جدرانِ البيتِ حتّى تنفرجَ همومُ ساكنيهِ؛ فيعودُ المأسورون من أَسْرِهم ويُشفى المرضى من عِلَلِهم وتُرفَعُ ضائقةُ المحتاجينَ من مالٍ ونصيبٍ. لهذا الشيخِ سِماتٌ مخيفةٌ يُقسمُ وُجهاءُ القريةِ أنّهم وقعوا عليها رأْيَ العينِ؛ فهوَ لا يجلِسُ أبدًا وهكذا يقضي يومَهُ واقفًا حتّى في نومِهِ، أمّا سُكناهُ ففوقَ جبلٍ أعزلَ عليهِ غيمةٌ دائمةُ التَّهطالِ، هذا الجبلُ لا يتجلّى للعِيانِ إلّا إن أخلصُوا نيّةَ الشُّورى، عندئدٍ ينزِلُ الشيخُ من قمّةِ الجبلِ على درَجٍ صخريٍّ، تُثبَّتُ وتُدعَّمُ كلُّ درجتينِ منهُ بأعمدةِ شلّالاتٍ مُصغَّرةٍ، ثُمَّ يأمرُ الناسَ أن يسبِقوهُ إلى بيوتِهم، فإذا وصلوا لقُوهُ ماثلًا قبلَهم؛ مُستدلًّا على مواقعِها بعصاهُ التي تتذبذبُ.    

بصوتٍ مرتبِكٍ طلبَت الأمُّ وبنتُها وهما تتعوّذانِ وتُبسملانِ أن يستبصرَ الشيخُ البيتَ الجديدَ، أغمضَ عينيهِ واضعًا راحةَ يدِهِ على جدارِ غرفةِ الاستقبالِ: على هذهِ الأرضِ صرعَ فارسٌ جاهليٌّ أسدًا، هنا أيضًا وُئِدَتْ فتاةٌ بتهمةِ الخيانةِ، المتنبّي وقفَ بهذهِ البقعةِ كاتبًا قصائدَ لم تصلْنا. بعدئذٍ انتقلَ إلى جدارِ المطبخِ: أسمعُ آدمَ يبكي، أرى بحرًا يتضاءَلُ إلى قُطيرةِ ماءٍ فتشربُها نملةٌ مُعمَّرَةٌ تَدِبُّ الآنَ شرقَ البرازيل. ثُمَّ بلغَ غرفةَ النومِ: إذا قامتِ الساعةُ فإنّ النائمينَ بهذهِ الغرفةِ لن يسمعوا نفخةَ البوقَ وسوفَ يُكملونَ أحلامَهم.. إقشعرَّتا وهما تُنصتانِ إليهِ ساردًا أحداثًا من أزمنةٍ ماضيةٍ ومستقبليةٍ حصلت وستحصلُ في مِساحةٍ لا تتجاوزُ مئتي مِتْرٍ.                  

شاعَتْ أخبارُ قارئِ الجدرانِ في المدينةِ فتضرَّعَ إليهِ الناسُ؛ هذا يسألُهُ عن قبرِ جدِّهِ وذاكَ يسألُهُ عن نسبِهِ، العشائرُ تُحكِّمُهُ فيما شجَرَ بينها من أراضٍ مُتنازعٍ عليها ومُخابراتُ الحكومةِ تستلذُّ بكشفِ مُخطّطاتِ الدولِ السِّريَّةِ؛ فعمَّتْ الفَوضى وسالت الدماءُ واشتعلت الحروبُ وقارئُ الجدرانِ ضاحكًا مُقهقِهًا يصعَدُ الدرجَ إلى عزلتِهِ..

  • كاتب وطبيب من العراق

 

 

 



إقرأ أيضاً


التعليقات

لا توجد تعليقات حتى الآن ، كن أول المعلقين

إضافة تعليق





كاريكاتير

إستطلاعات الرأي