أدباء تصدوا للجوائح بأسئلة وجودية تعيد نفسها

2020-06-01 | منذ 1 شهر

خوف متوارث من جيل إلى جيل (لوحة للفنان معتوق بوراوي)

الرباط- بشرى فاضل

الجوائح والأوبئة ليست أمرا جديدا على البشرية، ففي كل حقبة يأتي وباء ما ويثير الهلع القديم لدى الناس، وما يثير الانتباه، هو أنه رغم التطور العلمي المهول الذي عرفه البشر، فإن مشاعرهم تجاه الأوبئة وتصرفاتهم الغريزية ظلت هي نفسها، حيث الهلع والهوس بتوفير المؤونة في ما يشبه الصراع، وتأليف الخرافات، نفس الشيء يتكرر، وهو ما قاربته أكثر من رواية.

 “كانت سنوات الأربعينات من القرن الماضي عصيبة على جميع المستويات. فعلاوة على النقص الكبير في المواد الغذائية، انضافت أزمة صحية تفاقمت بسبب نقص الأدوية ومواد النظافة، وانتشرت جوائح قاتلة بسرعة كبيرة، خلفت مئات الآلاف من الضحايا، لاسيما في القرى، حيث تم وضع المناطق الأكثر تضررا تحت الحجر الصحي. وفي المدن، لم يكن الوضع أقل خطورة حيث لم تتمكن التدابير التي اتخذتها السلطات من الحيلولة دون تفشي العدوى لمدة طويلة”.

كان هذا مقتطفا من رواية “المجاعة الكبرى” للكاتب المغربي سفيان المرسني، والتي تطرق فيها إلى الأيام العصيبة التي عاشها المغرب في أربعينات القرن الماضي عندما عانى من الجفاف ونال نصيبه من المجاعة والأوبئة.

تاريخ يتكرر

مناسبة التذكير بالمشاهد التي حكاها المرسني في روايته هو ما يشهده العالم منذ مطلع السنة الجارية بسبب جائحة فايروس كورونا المستجد، (كوفيد – 19) التي أرخت بظلالها على البشرية، وانتشرت عبر الحدود والقارات كالنار في الهشيم، وجعلت ردود فعل البشر أمام هذا العدو الخفي تكشف بأن الجوائح والحروب أو أيّ آفة أخرى، توقظ في الإنسان غرائزه الأكثر بدائية، حيث بدا واضحا كيف اجتاح الهلع الذي سببته هذه الجائحة نفوس البشر، وجعلهم يتهافتون على المواد الغذائية مثل ذئاب جائعة.

وبالفعل، فقد أعادنا فايروس كورونا المستجد، وكل المخاوف المرتبطة به، إلى الوضع الذي شهدته تلك الحقبة الصعبة التي اعتقدنا، خطأ، أنها قد ولت إلى الأبد.

 وكما يقول الكاتب في روايته، فإن الخوف الطبيعي من الموت جوعا يدفع الناس إلى ردود فعل مماثلة، مدفوعين في ذلك بغريزة البقاء، بغض النظر عن الزمان والمكان.

لكل مأساة روايتها الرمزية

وفي واقع الأمر، فإنه، وبمجرد أن تلوح أزمة مماثلة في الأفق، يصبح لدى الإنسان تخوف واحد فقط، هو الخوف من الموت جوعا، ويغدو لديه هاجس واحد هو توفير مخزون من الطعام يمكنه من مواجهة النقص في المواد الغذائية لأطول فترة ممكنة.

وفي هذا الإطار تبرز مشاهد الطوابير الطويلة أمام المتاجر والأسواق التجارية الكبرى لتحقيق هذه الغاية بما يحيل مباشرة على ما وقع في أربعينات القرن الماضي عندما كان المغاربة يضطرون للانتظار، لأيام كاملة أحيانا، حتى يحين دورهم للاستفادة من كميات الطعام الضئيلة المخصصة لهم من قبل سلطات الحماية. وبالإضافة إلى الأزمة الصحية وانتشار الأمراض المعدية، فقد كان بعض التجار عديمي الضمير يستغلون ظرفية الخوف من نفاد المواد الغذائية، ليرفعوا الأسعار ويراكموا الثروة على حساب مواطنيهم. ألا يقولون إن مصائب قوم عند قوم فوائد؟ ونفس الشيء يتكرر اليوم.

درس كوني

إلى جانب “المجاعة الكبرى”، حفلت بيبليوغرافيا الأدب بالعديد من الروايات التي لجأ كتابها إلى توظيف موضوع الجوائح لتسليط الضوء على ما يمكن أن يتحول إليه المجتمع عندما تحل به مأساة من هذا النوع والحجم وتسلبه حرياته وقيمه الأساسية وتشكل تهديدا واضحا لحياة كل فرد من أفراده.

وبذلك، أصبحت لكل مأساة روايتها الرمزية. فرواية “الطاعون” للفرنسي ألبير كامو تحكي عن هذا الوباء الذي ضرب مدينة وهران “في تاريخ غير محدد”، حسبما ورد في صفحتها الأولى.

ويقول الروائي إنه “في غضون أيام قليلة، ارتفع عدد الموتى وسرعان ما بدا واضحا لأولئك الذين يهتمون بهذا المرض الغريب أنه جائحة حقيقية”، مضيفا أن سكان المدينة الجزائرية وجدوا أنفسهم “أسرى” للطاعون.

تحليل نفسي عميق لموقف الإنسان من المرض والموت

ويتابع كامو بالقول “كما هو الحال بالنسبة إلى جميع أمراض هذا العالم، فإن هذا الشر الذي يفتك بالسكان له جانب مشرق نوعا ما، حيث إنه يفتح أعيننا ويجعلنا نفكر حتى نلقي نظرة جديدة على الناس والأشياء عند نهاية المحنة”.

وتغيير الطريقة التي ننظر بها إلى العالم، هو درس كوني وخالد تلقنه الجوائح والأوبئة للبشرية، سواء كان اسمها “الطاعون” أو “كورونا”.

من بين الروايات التي اهتمت بموضوع الجوائح أيضا، هناك رواية “الحجر الصحي” للكاتب الفرنسي جان ماري غوستاف لو كليزيو التي تصف نفسية ركاب باخرة تم إنزالهم في جزيرة وإخضاعهم للحجر الصحي في مواجهة مرض الجدري، وكذلك رواية ”الحب في زمن الكوليرا” للكاتب الكولومبي غابرييل غارسيا ماركيز، الحائز على جائزة نوبل للآداب، الذي لجأ إلى المرض كخلفية لوصف الشعور بالحب بكل عيوبه، ولكن أيضا في جماله وقوته التي تنتصر على الوباء.

   

بيبليوغرافيا الأدب حفلت بالعديد من الروايات التي لجأ كتابها إلى توظيف موضوع الجوائح لتعرية المجتمعات وغرائزها

 

وتثير هذه الروايات عن الجائحات، التي تنتمي إلى عصور وأماكن وثقافات مختلفة، أسئلة وجودية تتعلق بالطبيعة البشرية المنقسمة بين القلق والمخاوف، والفشل والوحدة، واليأس والأمل. كما أن التحليل النفسي العميق لموقف الإنسان من المرض والموت يلامس القارئ في قرارة نفسه، ويزعزع قناعاته ويضعه أمام أسئلة ميتافيزيقية مستمرة.

فمن خلال ثيمة الجائحة، تمكّن الكتّاب المعاصرون من رصد واقع البشر وتشريح الشرط الإنساني والكفاح المتواصل الملقى على عاتق الإنسان.



إقراء أيضاً


التعليقات

لا توجد تعليقات حتى الآن ، كن أول المعلقين

إضافة تعليق






شخصية العام

كاريكاتير

إستطلاعات الرأي