شيء غير الحلم

2020-05-28 | منذ 1 سنة

قصي الشيخ عسكر

 

يبدو أنّ كلَ شيء حدث وفق ترتيب غريب مألوف في الوقت نفسه، ولا دخل
للمصادفة فيه. أما أصل الحكاية فيعود إلى لحظة اندفع فيها كلبي الصغير نحو
غابة قد أكون مررت بها يوما ما، ولم تلفت نظري. وجدت هناك حارسا أشقر في
الخمسين من عمره، تغطًي تجاعيد جبينه. سألته إن رأى كلبا يدخل الغابة، فأجاب
بلطف أني يمكن أن أدخل فأبحث.
عبرت البوابة فوقع بصري على أشجار سرو وصنوبر، والغابة التي تلوح لا نهاية لها، تكاد تغص بكلاب من مختلف الأشكال والألوان والأحجام.
لم تلتفت إليّ تلك الكلاب، بعضها يستريح تحت الشمس وأخرى تغوص في الماء، ومجموعة تأكل. أملت أن يستدل الكلب عليّ بحاسته المألوفة. أوشك النهار ينتهي وإذ يئست مسدت على رقبة كلب شبيه بكلبي الضال، حملته بين ذراعيّ وخرجت. كان الحارس كما ظننت في الكوخ الصغير عند مدخل البواب، أو هكذا خٌيًل لي.
اليوم التالي تركت الكلب في المنزل وقصدت الغابة ذاتها. وجدت رجلا في
الثلاثين من عمره أسمر البشرة فظّ الملامح واقفا عند البوابة، سألت كأن
الحارس قبله كان صديقي أو أنّ هناك رغبة تحثٌني لمعرفة خبره:
معذرة أين الحارس الذي كان يقف مكانك يوم أمس؟
أجابني بصوت أجشّ لا يخلو من بعض ملامح صوت سمعته أمس:
ليس هناك من حارس غيري، أنا أعمل هنا منذ عقد، ولم أغادر مكاني.
لكن أمس..
أشاح بوجهه عنّي مقاطعا:
يمكنك الدخول..
هذه المرّة شككت في أن أكون أحلم، بصري وقع على حشود من قطط مختلفة
الاشكال والأحجام والألوان، قطط على الشجر وبين السواقي وأخرى تطارد
فئرانا وقطط تهرب من لا شيء، أو تمارس الجنس. ألحت عليّ فكرة تسربت من أمس، فدنوت من قطة استأنست لراحة يدي فحملتها، ولم أر الحارس الفظّ الذي قابلته عند اجتيازي البوابة، فلعله يستريح في الكوخ، قلت من قبل إنها ليست
المصادفة تجعلني أرى أشياء فأجد غيرها في اليوم التالي، وإذ دخلت البيت
وجدته فارغا من كلب جلبته يوم أمس.
ذلك دفعني لتجربة جديدة. مغامرة. اكتشاف. حلم. حقيقة، أي شيء قصدت الغابة
يوما وآخر، وفي كل مرّة أجد حارسا جديدا يدعي أنه كان منذ سنوات في المكان
ذاته، فأدخل.. لا أحد منهم يمنعني، التقط حيوانا ولا أرى الحارس القديم
الجديد عند خروجي، جلبت إلى بيتي أرنبا وسنجابا..أفعى ..ديكا.. ابن
عرس، ثعلبا، وكل حيوان يتلاشى حالما أدخل البيت بصحبة آخر…
وهكذا
آخر يوم لم أجد الحرّاس الحارس ذاته، والحاجز اختفى، فدخلت المكان كما لو
أن شيئا ما ينقصني. الغابة اختفت وحلّ مكانها امتداد لسهل فسيح لانهاية له،
يعبق بالرمل والحصى. أشكّ في نفسي. لو كنت في حلم لما تغيّرت الأشياء. أحاول أن أنسى كلّ ما حدث فأعود إلى البيت من دون أي حيوان أحمله معي.
فجأة
وأنا أدير مقبض الباب سمعت نباحا ومواء وصريرا. أصوات متداخلة لحيوانات
جلبتها معي اختفت ثمّ عادت. كانت تتطلّع فيّ بنظرات مبهمة، فتراجعت..
تراجعت وقد تبادر إلى ذهني الفرار.

 

٭ كاتب عراقي



إقرأ أيضاً


التعليقات

لا توجد تعليقات حتى الآن ، كن أول المعلقين

إضافة تعليق





كاريكاتير

إستطلاعات الرأي