"إلى البرية".. فضاء العزلة الإنسانية ونقاؤها

2020-05-17 | منذ 2 أسبوع

 إبراهيم الملا

يعتبر موضوع «العزلة الإنسانية» كهدف واختيار، هو أحد الموضوعات الأثيرة لدى صناع السينما المستقلة، والذين يجدون في الشاشة المتضامنة مع عطشنا الوجودي، أبعاداً تتخطى النمط المادي في تعاملنا مع الحياة، وتذهب بعيداً نحو شكل قد يبدو طوباوياً نوعاً ما، ولكنه قابل للتحقق من خلال الإرادة الداخلية التي تتحطم أمامها كل الحواجز والعراقيل.

ومن الأفلام التي لا تغيب عن الذاكرة، وتؤسس لهذا الاتجاه الوجودي والفلسفي في تفسير العالم ورؤيته من زوايا مغايرة، فيلم: «إلى البرّية» Into The wild  للفنان الاستثنائي «شين بن» الذي يقوم هنا بإخراج هذا الشريط البصري الباهر، اعتماداً على الوقائع الحقيقية الجامحة التي عاشها الشاب «كريستوفر ماكندلز»، بعد اتخاذه لقرار مصيري بترك الحياة المدنية بكل ترفها وغرائزها الاستهلاكية، والانطلاق وحيداً نحو رحلة خلاص ذاتية باتجاه غابات آلاسكا والعيش هناك وحيداً، في حضرة الطبيعة بكل جمالياتها وخطورتها ووحشيتها، وصولاً لهدف أسمى وهو اكتشاف الذات، والانصهار في العزلة الإيجابية، والشرود في فضاء تأملي رحب تذوب فيه الحواجز الفاصلة بين الروح والمكان، من أجل تجاوز الحس المديني المزيّف، والانغماس في الحس الغابوي والبدائي القابع في أعماقنا الصافية والمتخلصة من كل لبس وتشويش، ومن كل دور اجتماعي خانق ومهيمن على الذوات الحرة وغير القابلة للترويض والخنوع لنمط وظيفي محدّد، ومرتهن للظروف الخارجية التي يفرضها النظام السوسيولوجي علينا.

  إن فعل التمرد الاختياري رغم ضراوته هنا، إلاّ أنه يفسّر حجم الوعي المعاكس لفكرة القطيع التي كان يحاربها كريس في دواخله، إنها الاستقلالية الفردية التي بذل دونها الكثير من التضحيات والتنازلات، واضعاً نفسه أمام امتحان شرس لترجمة الحماس المتقد في ذهنه وعاطفته

يبدأ الفيلم من داخل النظام البطريركي للعائلة الثرية والمحافظة التي تحتفي بتخرج ابنها من الجامعة، كي تسبغ عليه الهدايا التي تليق بهذه المناسبة المهمة، والتي يرفضها الابن كريستوفر – يقوم بدوره الممثل إيميل هيرش- وذلك بحضور والده وأمه وأخته الصغيرة، معلناً رغبته في التحرر الكلي والمطلق من هذه القيود والأنماط الاحتفالية المحيطة بشخص قرّر اتخاذ ما يراه مناسباً لمستقبله الفردي وحياته الشخصية، بعيداً عن البروتوكولات الاجتماعية والإملاءات الأسرية، ورغم التحفظ والامتعاض الذي يبديه كل من الأم والأب إلى أن كريستوفر يقرر التبرّع بالمبلغ الذي تحصّل عليه من والده، وهو 24 ألف دولار لصالح جامعة هارفارد، يرفض كريس أيضاً السيارة الجديدة التي أهديت له، ويكتفي بسيارته الخردة، ثم نراه وهو يمزق الوثائق الرسمية التي يملكها ويتجه شمالاً نحو الغموض الذي ينتظره بشوق، دون أن يستعين سوى بمبالغ بسيطة تعينه على الوصول إلى هدفه، مشيراً في حواراته الداخلية إلى أن «الأموال تملكك، لذلك لا داعي أن تفقد حريتك بسببها»، ويختار لنفسه اسماً جديداً، حتى لا يرتبط بأي أثر أو ذكرى تعيده إلى الماضي، حاملاً معه مجموعة من الكتب والروايات لتولستوي وجونسون وثوريو.

إن فعل التمرد الاختياري رغم ضراوته هنا، إلاّ أنه يفسّر حجم الوعي المعاكس لفكرة القطيع التي كان يحاربها كريس في دواخله، إنها الاستقلالية الفردية التي بذل دونها الكثير من التضحيات والتنازلات، واضعاً نفسه أمام امتحان شرس لترجمة الحماس المتقد في ذهنه وعاطفته.

يجمع فيلم (إلى البريّة) بين أسلوبين سينمائيين في الإخراج، وهما الأسلوب القريب من السرديات البصرية لأفلام الطريق، وأسلوب «الكثافة التشخيصية» المستندة على قوة حضور الشخصية المحورية في الفيلم، ووصولها لمراحل قصوى من تحدي الظروف الخارجية والتكيف مع الطبيعة البدائية في أكثر صورها تجلياً ووضوحاً وخطورة أيضاً.

إن فكرة العزلة الإنسانية التي ينسجها مخرج الفيلم حول بطله الوحيد والمتمرد، تعيننا على فهم واكتشاف القوة الداخلية التي تتحول إلى وقود ذاتي للحفاظ على وجودنا النقي، إنها المرحلة التي ننتصر فيها على كل هواجسنا وعذاباتنا ومخاوفنا وهشاشتنا أمام الفكرة المناوئة لحريتنا والضاغطة على اختياراتنا.

فعندما يعثر كريس على باص مهمل ومتروك وسط غابات آلاسكا يتخذه ملجأ له، حيث لا وجود لبشر هنا، وحيث يصبح التشرد والتسكع في وديان آلاسكا وقرب أنهار هو النعيم المضاعف، هنا حيث الشمس الساطعة على ثلوج بيضاء تنتظر ولادة التباشير المزهرة للربيع، تتشكل الأواصر الجامعة بين مرايا الأرض ومرايا السماء، ليصحبنا الفيلم بعدها في رحلة بصرية فاتنة نحو انعكاساتها ومتاهاتها اللذيذة، مسافراً بنا وسط تخوم فردوسية ترتقي فيها حواسّنا نحو التناغم المطلق بين الذات والطبيعة، ويصبح التأمل في مكونات هذه الطبيعة الساحرة، وكأنه ارتياد لمغامرة العود الأبدي باتجاه الفطرة الغابوية المهملة فينا، إنه النشيد الروحاني الذي لم نصغ له جيداً، ولم نلتفت له أبداً، عندما كنا محشورين وسط الأقفاص الإسمنتية والسجون الزجاجية.

يتخلّص مخرج الفيلم من الموسيقا البديلة والمؤثرات الصوتية في شريطه السينمائي الذائب في اليوتوبيا المجسّدة، ويلجأ لأصوات الطبيعة كمؤثر حقيقي وحي وحاضر في ثنايا الفيلم، ليذكّرنا بقيمة العزلة وجوهرها النفيس، عندما يتم استثمارها بالشكل الأنسب وفي المكان الأمثل لتحقق النوستالجيا الكونية بعيداً عن صخب المدن وضجيجها ولمعانها الحارق الذي لا يتبقى منها سوى الرماد والهباء والقشور.



إقراء أيضاً


التعليقات

لا توجد تعليقات حتى الآن ، كن أول المعلقين

إضافة تعليق






شخصية العام

كاريكاتير

إستطلاعات الرأي