ثلاث حركات صديقة

2020-05-04 | منذ 1 سنة

إستبرق أحمد*

أدركتُ أنها ستفعلُها، فهي ليست المرة الأولى التي تنتزعني بقسوةٍ.

مسترخيةً على كرسيِّ المطعم الملاصق لشاطئٍ هادئٍ.

ممسكة بقائمة الطعام، أشارت إلى طبقٍ شهيٍّ، هزَّت رأسها وعبرت التماعةُ عينيْها، أزاحتني بهدوءٍ حال انصراف النادل، أطاحتني أسفلَ الطّاولة، اقتربت كرةٌ سوداءُ، قطة الشاطئ التي أتت يوماً من سفينةٍ بعيدةٍ، توقفت أمامي، مدَّت لسانَها الزَّهريَّ، ذاقت غضبي فتراجعت. متسائلة:

ــ ما بكِ؟

ــ لا أرغبُ في الحديث.

ــ لا بأس، تذكري فقط مدى لُطفِها أيضاً.

ــ ولماذا ندفع أنا والأشياء الثَّمن؟

ــ الأشياء؟

ــ الباب الذي صفقته، المقود الذي ضربته بقبضة يدها مراراً.

ــ تضررا؟

ينطلقُ صوتٌ خشن يهزنا:

نحذركم، نحذركم ممنوع إلقاء القاذورات.

تتعالى زمجرة تهديد...

أررررررررررررررررررررررررررررررررررررررررررررررررررررررررررررررررررررررررر

 تُخبرني كرةُ الفرو الأسود:

أصبحت الكلابُ الآليةُ تحذر قبل النهش...

أجيبُها مُتضايقة:

ــ وعاقبتني لانطلاق أصواتهم المعدنية.

ــ ذلك قبل البرمجة الحالية للكلاب، سابقاً فَزِعَتْ، وأصررتِ بعنادٍ على إيصالِ أصواتِهم.

ــ أليست مهمتي سماعة أذن؟!

ــ صحيح ولست مضطرة للكمال، تلمسي رغبتها...

ــ أتهاون؟

ــ لا، إنما ليس كل ما يحدث في هذا العالم نرغب بمعرفته.

صمتُ والقطة، نراقب البحر بلونه المدهش اليوم، لازوردي مُشعٌّ على غير العادة.

قالت:

البحر سعيد اليوم.

ــ فعلاً...

ــ أخبرني أنَّ لا حكايات بشعة ولا غرقى اليوم.

ــ ولم أرتطم بأمواجه وتنساب زعيق حكايا يومها في العمل...

ابتسمنا، فالمرأة ألقتني مراراً بالقرب من مويجاته ساخطة، لتشدَّني القطة سريعاً، تسحبني لمكان آمن. تحدثني، تلاعبني، مخففة من رعبي...

تمدُّ المرأةُ يدَها التي انتزعتني لتربت على رأس القطة فيرتفع ذيلُها مبتهجاً.

برررررررررررررررررر

أدرك محبة القطة، وصدقها مع البحر العالق غالباً بحزنه، أُحذرها من غصّة كآبته، ضاحكة تُخبرني تفهمها مزاجه الأزرق، تنصحني أن أفعل ذلك وإلّا سأسقط مع المرأة في الوحدة.

كدت أخبر القطة أنني يومياً يستغرقني استعادة الفرح القديم، إذ وضعتني في خدمتها،مُطبطبة عليَّ بلطفٍ، لأسكرها باكتشاف الأصوات،الهادئة، المنخفضة، العذبة، وضحكاتها الممتنة.لاحقاً التَحَقَتْ بالعمل وبدأت تتجاهلني...

هي لا تكرهك...

الجملة الأخيرة التي قالتها القطة قبل انطلاق صرخة واندلاع المشهد...

بلمحة، استذكرت زميلُتها التي عاركتها في مكتبهما بجمعية "ساعد المحتاجين" بعباراتها التي حطّت عليها بأظافر صوتها القاسي، فواجهتها المرأة بتعرُّق أذنها خلف حجابها الضيّق، تشوّشت مرتبكة، دست أصابعها لتطفأني، أحسست بها وفضولي عاند رغبتها بإغلاقي.

أعرف ذنبي، فلماذا أدعي الغضب؟

هاربة إلى مكانها الأثير بعد الحادثة، أخرجتني من مخبئي خلف أذنها، تفحصتني مُعاتبةً، ورمتني كوسخ...

الآن ها هي تقفُ زميلتُها أمامها، مدعيةً رغبتها بالتفاهم، لتصرخ ضد القطة الخائفة، واصفةً إياها بآكلة القمائم. هزني صياحُها الحاد، عند قدمها أُنصت لصوت البحر جابراً لصديقته، منادياً، حاملاً السمك لها، طلبتُ من القطة الذهاب بحزم، ترددت قليلا، وهرعت إليه.

امتدت يد المرأة، باحثة عني، جذبتني، نظفتني بهدوء، علقتني على أذنها.

ضبطت المرأة مؤشر رفع إمكانياتي،تجاهلتُ حركتها متشبثاً بنصيحة القطة، فأضعت الصوت، أصرّت على الاستماع، طمستُهُ مجدداً، ربتت عليَّ، استكنت، ضغطت مُصرَّةً، استجبت، فسالت ادعاءاتُ زميلتها:

لا تُصغي للتعــــــليـ.....مات.(عبارة كاذبة)

لا تُنصتي إلّا لما تريـــ....دين. (عبارة حقودة)

غيّري جهاز أذنـ....ك. (عبارة جارحة)

مسدت صديقتي المرأة على ظهري سعدتُ بثقتها، سمعتها تقول بهدوءٍ:

مات دينك أنت.

 مضينا نلعب:

مثل موج في انخفاض يتلوه ارتفاع لاطم، أخمدُ صراخ زميلتها وأخفي حججها،فتزداد قوة صديقتي، تصدح بشجاعة حول مخالفات زميلتها،شحّ أمانتها،فيض قسوتها تجاه عزيز نفس، لحظة ذلك ثارت زميلتها فأطاحت بالطبق الشهي بالقرب من القمامة،منتهكة الإرشادات الصارمة للنظافة...

أنصتنا ذلك اليوم لـ

ثلاث حركات موسيقية في مقطوعة سعيدة:

حكايات البحر وضحكة القطة.

امتناني ودندنات صديقتي المرحة.

وصراخ امرأة تلاحقها كلابٌ آلية.

 

  • قاصة كويتية


إقرأ أيضاً


التعليقات

لا توجد تعليقات حتى الآن ، كن أول المعلقين

إضافة تعليق





كاريكاتير

إستطلاعات الرأي