الوباء والربيع

2020-05-02 | منذ 1 سنة

شادية الاتاسي*

غزاني الربيع في عقر قلبي، نيساني المذاق، متألق المزاج. داهمني وأنا أتنقل بلهفة من محطة لأخرى، أرقب بدهشة مذيعي القنوات الفضائية، وهم يتحدثون بحماس عن التسارع المفجع لعدوى الوباء القاتل، ويحصون بحيادية ارتفاع معدل ترمومتر الموت على أرصفة المعمورة، فأتوقف لبرهة، أصيخ السمع بقلق، لذاك السؤال الوجودي المبهم، ماذا لو غادرنا الأحبة، وما زال في قلبنا حديث شوق لم نقله بعد؟

اختفى الجميع فجأة، اختفوا على عجل بلا صوت، كأنهم ارتدوا طاقية الإخفاء في فانتازيا روائية مرعبة. لا وقت للعجب. فالمشهد حقيقي جداً، ليس حلمًا ولا قصيدة شعر، ولا حتى فيلمًا خياليًا رديئًا، وضمن هذا المشهد، مازالت الأرض تهتز وتربو وتحنو بالربيع، والطيور مازالت تغني نشيدها الخاص، بالروح ذاتها، والعشق ذاته. ويقال إن قطعان الماعز، أغراها فراغ المكان المفاجئ، فتهادت تتبختر، تهز ذيلها بسرور، وثغاؤها الجميل يمكلأ المكان والزمان، ويقــال أيضــــًا، إنه في أمكنة ما من العالم، تراكضت قطعان الأيائل والغزلان من غاباتها البعيدة، ظهرت في أروقة الشوارع الفارغة، تميس بقدها الرشيق، وعيونها المهرية الجميلة تستكشف بفضول أفاق المكان.

لا أدري إن كان يتوجب علينا، أن نظهر امتناننا أو امتعاضنا، فالأمور اختلطت، ولم يعد هناك ما يسمى بالصح أو الغلط المطلق، ونشطت الفضائيات تتباهى، في إظهار المشهد التراجيدي، بكل دقة وانتظام. ولما لا، فالعصر اليوم هو عصر الصورة والميديا. وهكذا بدا العالم أمامنا، ونحن في حجرنا، مدنا مهجورة، شوارع خالية، هدير أناشيد وتراتيل وصلوات، أجـــــراس كنائس ونــداءات مآذن، أكوام جثث، وجنازات تمضي لحتفها بدون وداع ومودعين، لدينا كامل الوقت، لنتخيل ونبتدع لها نهايات ملغزة بالألم، كيف كانت لحظاتها الأخيرة، هل حنّت واشتاقت إلى أحبابها؟ هل مضت وفي قلبها غصة شوق؟

إبق وحيدًا وبعيدا، لا تقترب، لا تعانق ولا تقبل، لا تحنّ إلى رجفة الشوق في عين من تحب، ولا تهفو إلى متعة أي ملامسة إنسانية. التحذيرات جدية وصارمة. لا وقت لديك لتتساءل عن جدواها، أو عدالتها، أو حتى صعوبتها، فأنت اليوم أكثر من أي وقت مضى تجري بنفس واحد مع قافلة القطيع، لا يمكنك أن تغرد وحيدا خارج السرب، لتضمن البقاء في هذا العالم المترنح.

وفي ظل التسارع الوبائي الغريب، والعجز المريب، اجتاحت الأسئلة والمقارنات بقوة الساحة، كما في كل جائحة تهز الوجود الإنسان، بدأً من لغز الخطيئة والعقاب الإلهي، ولعنة الطبيعة، ومن هي الضحية ومن هو الجلاد، مرورًا بنظريات بدء الخلق و التطور والصدفة، وليس انتهاء بالمؤامرة الكونية، والأنظمة الشمولية والطغاة، ودعاة الديمقراطية وأعداء الديكتاتورية، وكل مفردات الظلم والعدل والفقر والغنى. ومهما كانت حدة التناقض وافتراض الأسباب، بدا الإنسان في هذه الجائحة ضعيفًا حائرًا، وقد اخترق كبريائه وعنجهيته فيروس غير مرئي، لا يمكنه أن يراه، ليطلق عليه النار. هكذا بدا العالم في ذلك اليوم الربيعي المزهو بالحياة، قرية صغيرة مهزومة، تبحر كأسطورة غامضة، معتمة ومجلجلة بالسكون والكآبة، غزاها الوباء الأعمى، في حين اختفى نزيل الحلم الإنساني المطرود، مسربلا بالعار مقموعا بالعجز، تلاحقه لعنة شهوة الامتلاك الجامح، وفي لحظة يتذكر بعده الإنساني فيبكي.

النهارات تمضي مائعة، كثير من الضجر، وقليل من الدفء، ومن وراء النوافذ المغلقة، تلوح وجوه فضولية، تروح وتجيء، ملامحها وجلة، لا تفصح عن أسرارها، ما تبوح به همهمات غامضة ودعوات خافتة، لبكة المطبخ، وجلبة الأواني، ولمة العيلة، تنظر ثم تبتعد، ألوّح لها وأبتسم، فتنزلق مبتعدة.

 

  • كاتبة سورية

 



إقرأ أيضاً


التعليقات

لا توجد تعليقات حتى الآن ، كن أول المعلقين

إضافة تعليق





كاريكاتير

إستطلاعات الرأي