ترجمة مصرية لرواية تركية

"قُمْرة" .. شخصيات مقهورة في واقع مشوّه

2020-04-29

القاهرة- حمدي عابدين

تحت وطأة الأحلام والكوابيس والغرائب في واقع مشوه، يتحرك بطل رواية «قمرة» للروائي التركي خاقان بيجاقجي التي صدرت حديثاً في القاهرة، عن دار الكتب خان، وقدمت نسختها العربية المترجمة بسمة ناجي.

وتكشف الأحداث التي تتواتر عبر مقاطع قصيرة، ذات عناوين دالة تقود حركة السرد، عن شخصيات مأزومة، غير متحققة، ضاعت طموحاتها، أو سُرقت منها في خضم سعيها لتحقيقها، ولا يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل تضيع تلك الشخصيات نفسها، وتدخل في أزمات نفسية واجتماعية لا تخرج منها إلا بعد اعتصامها بذواتها وتمسكها بها والثقة في إمكاناتها.

تدور أحداث الرواية حول مصور شاب، يطمح في أن يصبح فناناً مشهوراً، تقام لصوره المعارض، وتنشر أخباره ولقطاته الصحف العالمية، لكن طموحاته تقوده إلى العمل في قاعة أفراح موزعاً للصور على السكارى والضيوف، صور لم يلتقطها هو ولا يعرف عنها شيئاً، سوى أن قريباً له يدعى «تايفن»، يقوم بالتقاطها، ويشكل مع شخصين آخرين أحدهما يقوم بالطباعة، دائرة يكملها بطل الرواية، ليكون «رأس الحربة» حسب ما وصفه «عثمان» الشريك الثالث في الاستديو الذي يحتل غرفة بائسة في أحد أدوار فندق يتضمن قاعتي أفراح. ومع «تايفن» يبدأ البطل رحلته مع الآلام وحلمه الذي يكاد يتسرب من بين يديه مع مرور الأيام والسنين في حفلات الزفاف، وبصحبة أشخاص يقفون عند أقدام الناس ليلتقطوا لهم صوراً بأوضاع مختلفة.

يستمر بطل الرواية في هذا العمل لعام ونصف العام تقريباً، اشترى خلالها صاحب العمل كاميرا إضافية وجعله يقوم بالمساعدة في عمليات التصوير. وفي هذه الأثناء يلتقي شبيهه في خيبة الأمل زميله «ياسين» الذي كان حلم حياته أن يصير مخرجاً سينمائياً، لكن حظه ينتهي به ليعمل ضمن مجموعة من السقاة، ويكتشف البطل من قصته أن ما حدث معه شيء هين إذا ما قورن بقصة ياسين الذي ساقه حلمه السينمائي لحمل كيس تبصق فيه بطلة إحدى الإعلانات ما تقضمه من قطع الشيكولاتة.

  خلال تحولات السرد يضع المؤلف أمام القارئ عدداً من الوقائع والمواقف المتماثلة والشخصيات المتشابهة التي يصور تفاعلاتها، تقبلها لما يحيط بها أو انغماسها من دون إرادة منها فيه

في الرواية التي تتكون من اثنين وأربعين مقطعاُ تحمل عناوين جانبية، يظهر السرد في صورة متوالية قصصية، معتمداً فيها الكاتب تقنية الراوي العليم.

وتتجاور الوقائع متقاطعة ومتوازية خلال تطور السرد بين اشتراك البطل في معرض للصور الجماعية، وزواج حبيبته، واكتشافه من خلال جاره في السكن أن الإصابات التي تظهر بين آن وآخر في ظهره ورقبته ويده وساقيه ما هي إلا نتيجة لحالة غضب ذاتية.

وخلال تحولات السرد يضع المؤلف أمام القارئ عدداً من الوقائع والمواقف المتماثلة والشخصيات المتشابهة التي يصور تفاعلاتها، تقبلها لما يحيط بها أو انغماسها من دون إرادة منها فيه. ويربط الكاتب بطريقة غير مباشرة بين كل نمط من الشخصيات التي تتحرك في فضاء الرواية وبين ردود أفعالها تجاه ما يجري حولها، كما يشير بلقطات سريعة دالة إلى الكثير من الغرائب التي يرى أنها ترتبط بالمجتمع الذي يعيش فيه، وقدرة أفراده على تقبله.

ونتيجة لضغط الواقع، وكوابيسه وأحلامه عليه، وفي محاولة وهمية للتعايل عليه، يخضع لوحاته لتقنية الفوتوشوب لتغيير تفاصيلها أو إزالة بعض منها:

«تراجعت كل الصور التي حمضتها في عقلي واحدة تلو الأخرى، اللحظة التي نزلت فيها من الحافلة، الشارع المظلم الذي اصطفت على جانبيه الحوانيت المغلقة، الصور الفوتوغرافية في نافذة العرض، الزوجان، الطفل، المرأة المفقودة في الملصق، المطعم، الحروف الفسفورية المضيئة على واجهته الزجاجية، والنادل، والطاولة الرخامية، وحساء العدس، والفراش على الأرض، والإفطار، والمصور، والأظافر الحمراء».

ولد خاقان بيـﭽـاقـﭽـي في إسطنبول عام 1978، وأتم دراسته الابتدائية والثانوية فيها. التحق بجامعة بيلكنت في أنقرة لدراسة الاقتصاد، وحصل على درجته الجامعية في عام 2001، ثم عاد إلى إسطنبول، مقرراً العمل بالكتابة الإبداعية.

صدرت روايته الأولى «خوفٌ رومانسي» في عام 2002، لتنطلق مسيرته الأدبية. وينشر بانتظام قصصاً ومراجعات نقدية في الأدب والسينما والثقافة الشعبية في كثير من المجلات والكتب الجماعية.

كما صدرت روايته «قمرة» عام 2010، وقوبلت باحتفاء نقدي وجماهيري واسع، كما تُرجمت إلى الإيطالية. ومن أعماله: «مفكرة الأحلام» رواية 2002، «وقت إضافي» رواية 2003، «كوة الحائط» رواية 2008، «تاريخ طبيعي لامرأة» رواية 2014، «فندق بارانويا» قصص 2017.








كاريكاتير

إستطلاعات الرأي