وزيـر!

2020-04-21 | منذ 1 سنة

 صلاح بوزيان*

انقطع التيار الكهربائي فجأة، الشارعُ مظلمٌ وموحش، الزبائن انفضوا وتركوا المقهى واحتموا بالظلام وهربوا، ولم يدفعوا ثمن القهوة والشاي، الأماكن بسرعة تحولت إلى خراب، زبون يضع كرسيا على مقود دراجته ويهرب، زبون يقتلعُ فانوسا، وزبون على حافة الهلاك منذ سنين، توثب وحملَ طاولة على كتفه واخترقَ بها الزقاق المؤدي إلى السوق، اهتدى بعض المارة بضوء السيارات التي تمرّ مسرعة، وأخذوا طريقهم إلى بيوتهم بحذر شديد، انتشر الذُعر في الأسواق والأزقة، أصوات الجري هنا وهناك.

التجارُ أغلقوا أبواب متاجرهم ونهروا الزبائن، كان الناس في هلع وخوفٍ، فقط المغازة الكبرى تعجز أمام هذا الوضع، تنعمت أشباحٌ بالوضع المؤقت، كانت ترقبُ وتتلصصُ، ولما تيسرت اللقمة السائغة، دخلت بسرعة إلى المغازة، وراحت تحققُ شهوتها وتلعبُ اللعبة، سرقت عُلب السردين وقطع الجبن وعلب الياغورت، الأعوان في دهشة وخوف وترقبٍ، كانت حركة الأشباح سريعة وصامتة وانتقامية تفوق البرق، شيء غريب يفوق الخيال، شبح يسحبُ الأشياء، والثاني يملأ الأكياس بما لذ وطاب، وفوج ثالث يسرقُ الكُراسات والمحفظات والأقلام، وأشباح أخرى تفك أجهـــزة كمبـــيوتر من أغلفتها وتخفيها بعــناية، وأشباحٌ تجمع مواعين ومكائن قهوة وطاحونات أوتوماتيكية، وقدورا نحاسية وملاعق وكليماتيزور، وأشباح ترقبُ وتحرسُ بعيون ليزرية، وتقلدُ أصوات نسوة مذعورات، لتلهي الأعوان وتخيفهم، وتشتتُ انتباههم في العتمة، كل شيء مرّ بسرعة، وتكلفت أشباح بمداعبة قابضة المغازة وتهدئة روعها بأصوات متربية متخلقة، وفي الآن نفسه تختلسُ كل الأموال من «الكاسة»، وتضعُ بدل الأوراق النقدية أوراقا مزيفة بالحجم نفسه، غادرت الأشباح، تجمد جميع الزبائن مذهولين في أماكنهم، وقد غفلوا عن حالهم، فلا تسمع إلا الهمس وارتجاف الأيدي وبكاء أطفال، ينتظرون عودة التيار، كأنه ماء الحياة، وعاد التيار الكهربائي فأضاءت الفوانيس، واسترجعت الأنفس راحتها، والمبردات حركتها، ودبت الحياة من جديد، والتفتت العيون إلى صوت أجهش بالبكاء، لترى وزير التموين مقرفصا تحت طاولة الخضر والغلال، وهو يرتجف ويمسحُ دموعه وسرواله مبللٌ، فأسرع إليه مدير المغازة: «سيدي الوزير المعذرة» وكان يمسحُ دموع الوزير ويمسحُ سرواله المعفر بالغبار ويردد: «الوضع تحت السيطرة»، نسوة المدينة يتسللن على رؤوس الأصابع ويبحلقن في الوزير ،فَقَدَ هاتفه الجوال وحذاءهُ.. محفظته ممزقة وأكوام أوراق مبعثرة.. تفطّن مدير المغازة إلى ورقة لاصقة على ظهر الوزير فقال: «بعد إذنك سيدي الوزير» فأومأ الوزير برأسه ولم ينطق بكلمة، قرأ المدير الورقة: «إرحلوا يا عصابة السراق»، فنكّس رأسه ودسها في جيب الوزير.. وبسرعة أتى أربعة رجال غلاظ شداد، دفعوا المدير بقوة وأخذوا الوزير متلفعًا ببرنس، أركبوه سيارته المرسيدس ووضعوا بجانبه أكياسًا تشبه التي ملأتها الأشباح.. استراح في الكرسي الناعم، وما إن انطلقت السيارة وشقّت جدار الليل الصلب، حتى جرفه الخوف إلى نوم عميق، ولكنه قرر أن يستقيل من الوزارة بعد أن تعلم حرفة جديدة.

 

  • كاتب وناقد ـ تونس


إقرأ أيضاً


التعليقات

لا توجد تعليقات حتى الآن ، كن أول المعلقين

إضافة تعليق





كاريكاتير

إستطلاعات الرأي