عشــتـار

2020-04-19 | منذ 1 سنة

دارين زكريا*

اللون الأحمر يسيل على الأرض كأنه يريد إفشاء سر ما لها، لكن اللون الأزرق يقطع مساره… يسكت له فاهه فالأسرار الحقـيقـية مـرة.

اللوحة على (الستاند) المخصص لها تقْلق رسامها، يقف أمامها والحيرة تلحس أصابعه، لا يدري تماماً سبب هذا القلق الذي يغرس أصابعه في رأسه كلما اقترب ليرسم هذا (البورتريه)، يعانده.. يحمل فرشاته ويكمل رسم شعْر عشتار الأسود، يجعله طويلاً.. طويلاً، كأنه يروي قصة الزمن الأسود السورية.. يحدد الظل على جوانب وجهها.

ـ يجب أن لا تكوني واضحةً تماماً، لابد أن تخفي شيئاً منك، الوضوح الكامل، غباء يقول لها، ثم يظلل نصف وجهها بشكل شبه كامل بحيث يخفي شيئاً من سطوتها.

ـ شفاهك الممتلئة هذه تربكني، كأنها تكتنز بقصائد كثيرة لمْ تقل بعد… آه من الحدة المرسومة على حنكك كم هي محنكة الميلان.. يا لفتْنتك الضاجة بعربدة الجمال.

الضوء المتسلل من النافذة قطع حديث الرسام مع عشتاره… تصبحين على حياة، قال لها وتمدد على سرير كان مرافقاً للمرسم منذ إنشائه.

السرير ذو الملاءات البيضاء يحفظ طباع شاهين جيداً، يرحب به وبألوانه التي تلعب كالأطفال على ثيابه السوداء في معظم الأحيان، كثيراً ما يتقاسم السرير شغب الألوان مع ثياب رسامه، بكل محبة، فهو يحلم بأن يكون لوحةً تجريدية تتغاوى بتضاد لوني يثير التساؤلات، لم لا فاللوحات المعلقة على وجوه الجدران، بل حتى اللوحات التي كانتْ هنا ثم سكنتْ في بلدان أوروبية عدة، ليست أجمل من ملاءاته الملونة بشكل عشوائي، صحيح أن تلك اللوحات شهدتْ أمزجة شاهين المختلفة.. توحدت مع دمعه وضحكته… مع أحاديثه مع حبيبته.. مناقشاته مع أصدقائه.. لكنها لم تضم يوماً أحلام رسامي كما أفعل أنا كل يوم. هذا ما كان يقوله السرير الطموح لنفسه، ويشد على جسد صاحبه بحنان، يحاول من خلاله أن يعوضه برودة الوحدة.

نام شاهين ونقله الحلم إلى سرير أمه.. آلهة الخصب والجمال الأولى في حياته، كانتْ تغني له في الحلم، وتبتسم كملاك لضحكته العريضة، ثم يراها تزجره بينما هو جالسٌ في وسط لوحة كبيرة بحجم المدينة التي كان يسكنها وبيده قلم رسم فيه نهدين كبيرين بحجم جوعه للأنثى.. تردد أمه: لا.. عيبٌ يا بني. (عيْب) هذه الكلمة التي تعشش في رؤوس أطفال الشرق منذ نعومة أظفارهم، رؤية الجمال عيْب.. رسم الجمال عيب.. كتابة عري الجمال عيْب.. التعبير الصريح عما نريده.. عيْب. هكذا تكبر العيب معنا كل شبر بنذر، وتتحول إلى بعبع نخاف منه، حتى بعد الكبر.

القهوة العربية السوداء تغلي على النار، كغليان دم الرجل في طور عمر الخمسين حين يمتزج بحب امرأة تهبه حياةً أخرى غير التي عاشها من قبل.

يدلل شاهين مزاجه عادةً بقهوة مشبعة بالهيْل، والنار أيضاً حين يصحو من غفوته، يتسلل مع قهوته السمراء ويجلسان معا أمام ملهمته… يتأملها كأنها خرجتْ تواً بكامل أبهتها من معبد يعتلي البحر ويعتليه.. يبتسم لها وتبتسم له.. تحمله ريشته ليتحامل على لوحته بباقي الخلق.

تأنيب أمه له البارحة في الحلم يمنعه من رسم فتنة عشتار بوضوح تام فيختبئ وراء مدرسته التعبيرية، التي يعشقها ويحاول أن يرمز كل ما يعشقه في جسدها، من خلال تكنيك هذه المدرسة، فيعطي هذه المنطقة بعداً واسعاً من العطاء، بحيث تتجلى كأنها قطعة من الصحراء، تحتوي على هضبتين مندمجتين بالعلو غير الجلي، الحنان السائل.. العطاء بكل وجوهه.. الإغراء المستتر.. القوة.. الضعف.. كلهم يلتقون ويلقون المعنى الحقيقي للأنوثة في هذا الرحب الضيق تحت الكتفين الناعمين وفوق عجينة البطن المشدودة. رأس طائر مندمج بعناية مع الخلفية يحاول أن يرشف سر الخصب من سرتها، ألوان الطيف تتنافس في الخلفية صارخة: لمن ستكون المساحة الأكبر، فيهيجون ويموجون ببربرية، كأنهم يريدون أن يخلقوا جزءاً من الحياة على هذه اللوحة المثيرة. هكذا حتى غطوا كل الجزء السفلي من عشتار، وبدتْ كأنها تفوح غوايةً.. كثيراً ما يكون لنصف الشيء سطوة الكل.

أيتها العاشقة للكمال.. أنا خلقتك وستكونين موجودة في لب باقي لوحاتي، لن يغادر عطرك ريشتي أبداً، فقد حرصت في رسمك على خلط ألوانك بعطر أنثوي لطالما هويته من صغري.

كان هذا غزل شاهين للوحته المغناج، بعد أن أنهاها وناظرها ملياً بعينين راضيتين، أما هي فلم تأت بأي حركة.. بقيتْ هكذا تفضي عليه بما شاء الرسم من سحر العيون حتى غمره التعب وسط سريره -اللوحة النائمة.

هيأ له منامه بأن جميلته تخلصتْ من حدود اللوحة وتسللتْ إلى سريره، طيلة الليل كانتْ غافيةً في حضنه كطفلة روحه، كأنه بجماليون الإغريقي مع منحوتته التي قامتْ الآلهة في الأساطير رفقاً به بتحويلها من تمثال إلى أنثى حقيقية، شاركته عمره واهبةً إياه حباً خرافياً.

أذن شاهين من أيقظته هذا الصباح حين سمعت رنة الهاتف، لم يرد، فصوته يحتاج إلى دلال القهوة أولاً، قبل أن ينطق، وبعد أن تمتع بها، عاود الاتصال بصديقه ذي المنبت السوري نفسه.

كيف أنت وكيف بحرك ولوحاتك؟ المثقفون يسألون عن الحال بطريقة فنية نوعاً ما.

نحن في مزاج يشبه صحوة النهار على وجه البحر.

يسعدني ذلك، فهذا يعني أنك أنهيت رسم عشتار، وبإمكاني أن أمر اليوم وأصطحبها معي إلى حبيبتي، لطالما وعدتها بهدية قيمة في ذكرى تعارفنا الأول، الذي ستكون ذكراه في الغد.. أنت تعلم يا صاحبي مدى عشق تمارة للفن وبالأخص الذي تجود به أنت على لوحاتك المدللة.

سيأخذها معه.. ردد العقل الباطن له هاتين الكلمتين وكأنهما دلو ماء بارد نزل عليه من أعلى رأسه حتى أخمص قدميه، ليذكّره بأن عشتار ليست له.. لن تبقى معه، فكيف سيحتفظ بها بعد أن وعد صديقه المقرب بأن هذه اللوحة ستكون له لهذه المناسبة المهمة في حياته؟ ثم أردف: نعم هي جاهزة يا غالي، لكنني اليوم مشغول جداً، فهل لك أن تمر في الغد لاصطحابها؟

حسناً يا صاحبي، سآتيك في ظهر الغد إن شاء الله، نلتقي… مع السلامة.

مع السلامة… رد شاهين بصوت مخنوق خافت ونظر إلى عشتاره بعينين تغزل من الندم مواويل حزن.. يناظرها وتناظره.

لم يستطع أن يأكل طيلة نهاره، اكتفى بالتدخين والقهوة وموسيقى شوبان يتأمل جميلته كل حين، على الرغم من عدد اللوحات الكثيرة التي رسمها، إلا أن عشتار كان لها سطوة على روحه، بشكل لم يعتده من قبل، على الرغم من تعلق قلبه بكل ما رسم من (بورتيريهات) في ما مضى.

فكّر ملياً في طريقة يحتفظ بها بلوحته الأخيرة هذه، أو إعطاء صديقه لوحة أخرى عوضاً عنها، لكنه عدل عن هذا الحل، فلم يعتد يوماً أن ينقض وعده أو أن يرجع في كلمته في كل مواقف حياته، فكيف سيغير مبادئه الآن؟ وقف أمام عشتار بكل أناقته بثياب سوداء تزيد من مشقة طوله الفارع وكتفيه العريضين… الشال الأبيض والأسود القصير الملفوف على رقبته، يزيده جاذبية. يده العريضة تملس على ملامح وجهها بتأن يشبه ملامسة طفل في شهره الأول. كان يودعها بلمساته الحنونة فقد اختنق صوته داخل حنجرته الواسعة، ولم يعد يستطيع محادثتها كالسابق فاكتفى بحديث الأصابع.

هذه المرة حملها هو، وضعها بجانبه على السرير وناما حتى بدأ الصباح يشرح سيرة الضوء للدنيا، في هذه الليلة لم تزره حتى أحلامه، لربما كانتْ هي الأخرى حزينة على فراق المصطفاة. لم يصحُ إلا حين أتاه صديقه في موعده عند الظهيرة، شربا معاً الشاي، وتعلل شاهين ببعض المرض، نظراً لعدم استطاعته مجاراة صديقه بالأحاديث العامة أو الخاصة، التي كان يسردها عليه لمدة ساعة كاملة، كان فيها هو لا يفكر إلا بذهاب خليلته من بين يديه، هكذا بكل سهولة، كأنها لم تكن يوماً هنا. في نهاية اللقاء، أوصى شاهين صديقه القريب: هذه اللوحة غاليةٌ على قلبي يا صاحبي، فاختر لها مكاناً يليق بها… هز الأول رأسه بسعادة بالغة لاقتنائه هذه التحفة الفنية الفريدة وقال: من عيوني يا نظر عيني.

هكذا ـ نحن السوريين ـ كلامنا يشبه الشهد، وإن لم ترأف بنا بلادنا وإن أكلتْ الطرق أقدامنا، وإن ابتلعتنا الهجرة، وإن بكتْ قلوبنا دماً، من أفواهنا يتكون العسل. من اليوم الذي ودع فيه شاهين عشتاره.. غدتْ هي سليلة أحلامه.. تزوره كل ليلة في سحابة حلم وتمطره من كونها الخرافي ما يشاء الوصل من هدايات المحبة. الليل يعوض شوق النهار.. الحب يتجلى كما يحلو للإبداع من رؤية.. الروح العطشى تلتقي بخل لها وإن كان في بوتقة الخيال. الفن.. الشعر.. الموسيقى لم يخلقوا يتامى قط.

 

٭  سوريا



إقرأ أيضاً


التعليقات

لا توجد تعليقات حتى الآن ، كن أول المعلقين

إضافة تعليق





كاريكاتير

إستطلاعات الرأي