المهمة الصعبة

2020-02-29

جميلة زنير*

إنها امرأة مغايرة، لا كبقية النساء. أثوابها فاخرة، منتقاة بعناية وقد تعددت ألوانها واختلفت تصاميمها، وشعرها مصفف بذوق رفيع على الدوام، وهي تنشر المرح حواليها سعيدة بزوجها المحب وأطفالها الأصحاء الناجحين في حياتهم. حتى إذا اصطدم سمعها بخبر الموت انقلبت معالم الهدوء في وجهها الجميل إلى توتر وشحوب، وحطت الظلال القاتمة على قسماته، وسرت رجفة عارمة في كامل جسمها، وارتخت كتفاها وتهدلت ذراعاها، فتتوقف عن ممارسة أي عمل، وتطبق على صدرها بذراعيها، وتنزوي في ركن من البيت لا تقوى على الوقوف، ولا المشي، ولا الكلام.. فإذا قال لها زوجها بلهجة المشفق:

 – إن العرف يستدعي ذهابك، لوجود عنصر قرابة أو نسب بيننا وبين أهل المرحوم.

 هزها هاجس غامض فجفلت واضطرب كيانها، وصارت أشلاء يصعب جمعها، فلا تسمع منها غير نفس يخفق بالرهبة. ويداعبها الأمل في التنصل من هذا البلاء العصي فتسأل زوجها بلهفة:

وهل حضر أهله إذ توفى أبواك؟

ويرد عليها بوقع هادئ:

المرحوم نفسه كان من بين الحضور.

وتغشاها الكآبة فيزداد شحوبها ويزوغ بصرها ويتكسر صوتها. وبعد صمت ممل، وتفكير عميق، وبعد أن تيأس من إيجاد مبرر للتخلف، وتشعر بأن الظرف يستدعي القيام بهذا الواجب المقيت، تعطي موافقتها على أداء هذه المهمة الصعبة، بعد دفن المرحوم – طبعا -، فهي لا تقوى على دخول بيت المتوفى إلا إذا كان الجثمان قد نقل إلى مثواه الأخير.

وتقودها إحدى بناتها نحو غرفتها، فتساعدها على استبدال ثيابها، وإصلاح هندامها وانتعال حذائها، وهي ماثلة كالصنم، وقد أصاب الشلل صوتها فغدا مبحوحا..

تلتف في “حائكها” وتتأبط هلعها وتنزلق بهدوء تجر رجلين أثقلهما الرصاص، وقد أصابها دوار من بركب البحر، وكلما اقتربت من بيت المرحوم توغل الخوف في قلبها فتسارع نبضه وتناثرت الأحداث في ذاكرتها فهي تتمنى ألا يسألها أحد، لأنها لا تستطيع أن تجمع شتات ذهنها الشارد وتجيب إجابة صائبة، وحتى ما تيسر من القرآن يصبح صعبا عليها، فهي تحرص – في مثل هذه الحالات -، أن تتلو بعضا من الآيات، ولكنها تخلط بينها خلطا فظيعا، فتسكت.

ويلوح لها البيت الذي ازدحم الناس حول بابه، فيتعالى وجيب قلبها، وتختلط عليها الوقائع، وتتراقص أمام عينيها المرثيات فتدير رأسها ذات اليمين وذات الشمال قبل أن تدخل.. وبمجرد أن تحط قدميها في الدار حتى تقلب عينيها الزائغتين في أرجائها وزواياها، خوفا من أن تصطدم نظراتها بطيف من أطياف الموت وينبثق من أحد الجدران ويخطف روحها..

وحتى لا تتوغل في البيت تبحث بعينيها عن ركن تحتمي فيه، ثم تقلب بصرها في النساء المتحجبات والسافرات، وقد تكتلت أجسامهن حتى لم يعد هناك فراغ، بل صرن كتلة واحدة من الأجساد، وتتفحص الوجوه التي تضاربت انفعالاتها بين التأوه والحسرة والتأثر والرثاء والاستسلام والوجوم. وتعمل على أن تغطي بعض جزعها بطرد الخوف من قلبها، وأن تسترجع بعض توازنها فتتبادل بعض الهمس مع نساء لا تعرفهن، وتجتهد في أن تشارك أهل الدار لوعتهم، ولكنها لا تستطيع فعل شيء والدموع تستعصي عليها. تظل ملتفة في حائكها حريصة على ألا تلمس يداها شيئا في هذا البيت، فإذا دعيت لتناول الطعام، اهتز كيانها اهتزازا عنيفا، وتقلصت عضلات وجهها، واقشعر بدنها، وغص حلقها، فعجزت عن الاعتذار، وإذا استطاعت فبصوت كالحشرجة، هي التي لو عرفت كيف تنقل معها الهواء لما استنشقت نسمة واحدة هنا.

فإذا عرض عليها مقعدا، فهو من الشوك، إذ تظل تتلوى فوقه من جانب إلى جانب، وهي تحرص على أن تتخذ مجلسها قريبا من الباب الخارجي لكي تتسلل مع أول فرصة تتاح لها، فأول امرأة تبادر بالخروج تنتفض واقفة، وتصر على مرافقتها مدعية بأن طريقهما واحد. وحتى لو أجلست بعيدا عن الباب، فلها قدرة غريبة على اختراق الصفوف من أجل الوصول إلى المخرج، لتندفع نحو الشارع ولتملأ رئتيها هواء.

تتدحرج بعد حين إلى بيتها بخطى منهكة، وقد اختلطت في ذهنها الأفكار والصور والأصوات، فشحب وجهها، ويبست شفتاها، وجف حلقها، فصار نفسها لهاثا، وتدخل بيتها فتسرع نحوها إحدى بناتها لتقودها نحو فراشها، وتلقي عليها بطانية علها ترخي أعصابها المشدودة جراء الانفعالات النفسية التي تعرضت لها بعد هذه المحنة الكبرى التي اجتازتها.. ولا ترمم نفسها من هذا الانهيار الداخلي إلا بمضي أيام طويلة.

 

  • كاتبة جزائرية

 








كاريكاتير

إستطلاعات الرأي