أمي تشحت بي - سيرة

2020-01-22 | منذ 8 شهر

علوان مهدي الجيلاني *


قررت أمي أن تتدروش بي ، لازمنى الورد(الملاريا) وقتاً طويلا ، كان عمري أربع سنوات أو أقل ، بالكاد يعاني أبي وأمي كثيراً حتى أشرب ماء علبة الأناناس ، لم يكن بقي مني شيء ، مجر جلد على عظام ، قالوا إن سن قلبي قد سقط ، وجاءوا بجدي موسى(خال أمي) كي يعيد سن قلبي إلى مكانه ، كانت جدتي تقف قلقة علي
قبل أشهر كنت كبشاً سميناً كما تقول ، كانت هي وراء تسميني ، لكثرة ما أكلتني من السمن والعسل والبيض واللبن والخلاصة ، وانا أشارك خالي المريض بلين العظام نظام أكله الدسم الكثيف .
جدي موسى وضع اصبعه السبابة في المكان المنخفض بين صدري وبطني بالتحديد عضلة الحجاب الحاجز التي يبدو أنها تضررت من كثرة القذف (القيء)، الملاريا تسبب للمصاب بها التقيوء كل ساعة، خاصة حين تزمن ويمتنع المريض عن الأكل إلا من بعض السوائل وقتها يكون قذفه عصارة صفراء مرة ومضنية ، ،راح يحرك إصبعه ببطء ويتمتم : يالطيف لطفك امجهد ذا اخمده امورد (هذا الولد أنهكته الملاريا) ، كنت أظن لقلبي سناً وأنه سقط كما تسقط أسنان أخي محمد الأكبر مني وهو يسنن .
جدي موسى بعد أن أنهى عمله التفت إلى جدتي وقال لها مشيراً إلى أمي : سيجبرها الله به ، الله يلطف به ، أمنت جدتي ومدت يدها الرؤومة إلى رأسي تمسح حفتي ، فيما راحت أمي تبكي قالت لجدتي : سوف يموت .
غضبت جدتي وهي تنهرها : لا تفاولي عليه والله سيشفيه ، ظلت تكرر سيشفيه وتمسح جسدي العاري بيديها ، جدتي لا تبكي مثل أمي لكن عيونها تعبر عن بكاء قلبها من الداخل
نظرت أمي إليها بعينين دامعتين وقالت لها :سأطلبه من ربي ، سأتدروش به .
لمعت الفكرة في عيني جدتي ووافقتها على الفور ، قالت : إياه تدروشي به وربي لن يكسر نفسك ، اليوم بعد العصر اخرجي .
بعد العصر ألبستني أمي سروالاً قصيراً زهري اللون وفانلة بيضاء ووضعت على رأسي كوفية الخيزان الصغيرة ، كان أبي قد اشتراها لي ولم ألبسها بسبب المرض .
لبست هي فوق صديريتها وفوطتها قميصاً أبيض ومقرمة ووضعت الظلة فوق المقرمة ، و علقت أجبا على كتفها وخرجت بي ،خرجت العزيزة الراقية تدور في مزاقر الجيلانية كما يدور الدراويش (الشحاذون والمطلّبون) ، تقف أمام كل بيت وكأنها لا تعرفهم ولا يعرفونها ، وتقول بصوت ضارع منكسر : يارب يا كريم .
تشهق النساء حين يرينها ويتمتمن بالدعوات ، ويمثلن أنهن لا يعرفنها اطلاقاً هي الآن مجرد درويشه ( شحاذة ومطلّبة)، في بيت عبده هيج خرجت خالتها ليلى عن التقاليد ملأت إناءً بالطعام وجاءت ، سكبته في الأجب كانت عجوزاً كبيرة السن ، وكانت خضراء اللون ليست شقراء كجداتي غالية وسلام وخديج ، صبت الطعام لأمي في الأجب ثم قبلتني ورفعت يدها ، أمسكت بقصتها وصاحت بصوت عال : هيدروشك ربي بابنك ، ضامنة لك ضمانة على الله وعلى رسوله وعلى أبو اربعة أعيان (الولي شمس الشموس أبو الغيث بن جميل) وجدك امعتكيف جيلان ، إنه يحيا ويتعافى ولا يقع به حال من سبيل .
انفجرت أمي باكية وضربت هي بيدها على ظهر أمي وقالت : روحي يابنتي تدروشي بابنك خلاص راح اموجع وأتت العافية .(ذهب الوجع وسيتعافى)
ظلت أمي تتنقل بين بيوت الجيلانية ، بدءً من بيوتنا إلى بيوت كل البطون الجيلانية ، بيوت بني سود وبني الشيخ وبني الحرد من شرق القرية إلى غربها ومن جنوبها إلى شمالها ، بعضهن يعطينها قرص عيش وبعضهن فصعة (قطعة من قرص) وبعضهن ربع أو نص ريال .
عند غروب الشمس كانت منهكة تنهي مهمتها وتتجه إلى هجرة الولي المعتكف الجيلان ، دخلت الهجرة أحنت رأسها لتمر تحت العارضة الحجرية الكبيرة ، وهي تنادي : خاطرك معانا ، تقدمت إلى القبر ، أجلستني على الأرض جواره وأخذت الحجر الملقى إلى جوار الشاهد دقت به في الشاهد ثلاث مرات ثم قبلته وأعادته إلى مكانه ،أخذت من تراب القبر ونثرته على رأسي وجسدي . في هذه اللحظة كان يتجمع حول الهجرة مجموعة من البنات والأولاد وبعض النساء الفقيرات وزعت عليهم ما جمعته من عيش وحب ومال . بعد ذلك أخذتني على عكنتها وعادت إلى البيت .
في البيت كانت جدتي غاليه وجدتي خديج تنتظرانها دخلن بي إلى المربعة كان المجمر جاهزاً بالنار وضعن البخور فيه ، وقربن بالدي الماء الدافىء ووضعنني في معجنة وتم غسلي جيداً ثم نُشّفتُ وتم تمريخي بالسليط (زيت السمسم ) راحت جدتي تنفخ في أذني وتكبر ، وُضعت في الحندول وبعد رجحتين أو ثلاث كنت نائماً ، نمت نوماً طويلا ، استيقظت عند منتصف الليل ، كانت أمي نائمة أيقظتها واستيقظ أبي على صوتي
قال لها : تحيدنه ماله؟ (انظري ما خطبه؟) .
مالك (قالت لي)
قلت لها : جيعو ( جائع) تبلج وجهها وتبلج وجه أبي
-أفتح لك علبة أناناس؟
-لبن أشا لبن
-بسم الله الرحمن الرحيم اللهم لك الحمد
قال أبي يخاطبها فيما هو يأخذني على حجره : اقطبي
خرجت وعادت بعد دقائق بعلبة بيضاء مليئة لبناً يتصاعد منه دخان خيفف ، ملأت أنفي رائحته اللذيذة ، خلال ثلاثة أشهر كنت إذا شممت رائحة اللبن أتقيأ ؟
أدنت العلبة من فمي وقالت بسم الله وبدأت أشرب شربت نصف العلبة وهي تردد : اللهم لك الحمد دروشتني يارب دروشتني يارب
جلس أبي وأمي يتبادلان الحديث في شؤون شتى .ونمت مرة أخرى
عند طلوع الشمس كنت أشرب نصف علبة أخرى من اللبن وجاءت جدتي فاستقبلتها أمي من بعيد تخبرها ، بسملت وصلت على النبي ودخلت ، حين رأتني قالت :الحمد لله العافية بدأت تظهر في وجهه.
بعد أسبوع كانت أمي تنظر إلي وأنا العب و تردد : من يصدق إنه سلم من الموت ، لكن ربي دروشني به.

 

 *شاعر وناقد يمني



إقرأ أيضاً


التعليقات

لا توجد تعليقات حتى الآن ، كن أول المعلقين

إضافة تعليق




شخصية العام

كاريكاتير

إستطلاعات الرأي