مفهوم الشعر وماهيته وإشكالية قصيدة النثر

خدمة شبكة الأمة برس الإخبارية
2008-12-02
المستقبل لقصيدة النثر وقد بدأت بالفعل تأخذ مكانتها في العالم العربي وبدأت تفرض وجودها على خارطة الإبداع

منير مزيد ـ بوخارست

 
"من فم الشاعرتولد اللغة
ومن اللغة تولد كل الأشياء"
كتب افلاطون محاورته "ايون" يتناول فيها مسألتين مهمتين من صميم النقد الأدبي أولاهما: ما مصدر الشعر لدى الشاعر: الفن أم الإلهام، والثانية: ما الفرق بين حكم الشاعر والناقد الأدبي على الشيء من جهة وبين حكم العقل والعلم على نفس الشيء؟
 
يرى أفلاطون في محاورته أن مصدر الشاعر هو الإلهام ومصدره إلهي محض وقد قرنالشاعر بالأنبياء والعرافين، وهذه الفكرة مرجع من اعتادوا بالإلهام والقريحة فيالشعر لا بالصنعة والتعلم. أما في المسألة الثانية: يقرر أفلاطون أن مقدرة الشاعرعلى تأليف شعر في شيء غير مقدرة المرء على شرح نفس الشيء شرحا عقليا وأن الشعر ليسهدفه الشروح العملية، ونستشهد بخاتمة قصيدة "فن الشعر" للشاعر "أرجبيلود مكليش" التي تقول:
القصيدة لا يجب أن تعني
بل أن تكون
وقد عبر جبران خليل جبران عن تلك المسألتين، إذ يقول في المسألة الأولى: إنالشعراء اثنان: ذكي ذو ذاتية مقتبسة وملهم كان ذاتا قبل أن يصير بشراً، والفرق بينالذكاء والإلهام في الشعر، هو الفرق بين أظافر محددة تحك الجلود الجرباء، وشفاهأثيرية تقبل القروح فتشفيها. وهنا فرق جبران بين الشعر ومصدره الإلهام والشعرومصدره الصنعة والتعلم والذي تميز به كثير من الشعراء .. وشتان بين الإثنين.
 
هذه الرؤية الجبرانية تتفق تماماً مع أنصار الشعر للشعر. إن قضية الشعر للشعرليس يقصد أصحابها أن يستخدم الشاعر براعته في النظم كي يمدح أو يذم، أو يرفع أويضع، أو ليساير من يشاء متى شاء له هواه ومطامعه، فيمدح اليوم ما ذمه أمس، ليظهربراعته في اللغة، أو ليصل لإغراضه الخاصة به، فهذا ينافي التجربة وصدقها، وينافيرسالة الشعر الوجداني من سبر أغوار القلب الإنساني والتعرف على أدق خلجاته،وإمكاناته الطبيعية، ومستقبله ومصيره الاجتماعي وتأثراته الوراثية وأحلامه وطاقتهوموقفه الميتافيزيقي في عصره، وكل ما يعد مقوماً من مقومات حياته وسعادته في الأرض.
 
ويتفق جبران مع أفلاطون على أن الشعر مصدره الإلهام وفي رأيه "الشعر الحق". أمافي المسألة الثانية يقول جبران "الشعر في الروح فكيف يباح بالكلام؟ والشعر
إدراك الكليات فكيف نظهره لمن لا يدرك سوى الجزئيات؟ والشعر لهيب في القلب أماالبيان فرقع من الثلج فمن يا ترى يوفق بين لهيب وثلج؟"
إن محاورة ايون هي أوسع عرض في العالم القديم للفكرة التي تذهب إلى أن الشعرإلهام خالص، هذه الفكرة التي كان لها تاريخ طويل، تقلبت فيه على وجوه شتّّى ولاتزال قائمة حتى اليوم.
 
وقال دريدن "لا ريب أن الإفهام الكبيرة وثيقة الصلة بالجنون."، وقبل دريدن
بما يقرب من مائة عام قال الشاعر والكاتب المسرحي الكبير وليم شكسبير:
المجنون والعاشق والشاعر جميعهم في الخيال سواء.
 
يفسر أفلاطون حقائق الوجود ومظاهره "بالمحاكاة" وعنده أن الحقيقة - وهي مصدرالعلم- ليست في الظاهرات الخاصة العابرة، ولكن في المثل أو الصور الخالصة لكل أنواعالوجود، وهذه المثل لها وجود مستقل عن المحسوسات وهو الوجود الحقيقي ولكن لا ندركإلا أشكالها الحسية التي هي في الواقع ليست سوى خيالات لعالم المثل.
 
وتدل المحاكاة عند أفلاطون على العلاقة الثابتة بين شيء موجود ونموذجي والتشابهبينهما يمكن أن يكون حسناً أو سيئاً، حقيقياً أو ظاهراً، فحين تحاكي طبيعة الأشياءبالحروف والمقاطع والكلمات والجمل تكون المحاكاة حسنة إذا دلت على خصائص الموجودوسيئة إذا تجاوزت هذه الخصائص، واللغة بفنونها المختلفة طريق التأثر علم المعقول أوعلم المثل في الحس، وأداة لذلك التأثير، وينحصر نجاح الفنان في نتاج محاكاة الأشياءعلى حقيقتها، وفي هذا يتجلى مجهود الفنان ويؤتي ثماره على أن المحاكاة الحقيقيةلإغناء فيها عن الحقيقة، فليست سوى خطوة للإقتراب من الحقيقة إذا كانت تلك المحاكاةصحيحة.
 
أما رؤية جبران الأفلاطونية فيما يتعلق بالمحاكاة، فيقول فيها "لا، ليست الحياةبسطوحها بل بخفاياها، ولا المرئيات بقشورها بل بلبابها، ولا الناس بوجوههم بلبقلوبهم، لا ولا الدين بما تظهره المعابد وتبينه الطقوس والتقاليد بل بما يختبئ فيالنفوس ويتجوهر بالنيات، لا ولا الفن بما تسمعه بإذنيك من نبرات وخفضات أغنية أو منرنات أجراس الكلام في قصيدة، أو بما تبصره عيناك من خطوط ألوان صورة بل الفن بتلكالمسافات الصامتة المرتعشة التي تجيء بين النبرات والخفضات في الأغنية وبما يتسربإليك بواسطة القصيدة وبقي ساكناً هادئاً مستوحشاً في روح الشاعر وبما توضحه إليكالصورة فترى وأنت تحدق بها ما هو أبعد وأجمل منها.
 
لا يا أخي ليست الأيام بظواهرها، وأنا أنا السائر في موكب الأيام والليالي لستبهذا الكلام الذي أطرحه عليك إلا بقدر ما يحمله عليك الكلام من طويتي الساكنة. إذاًلا تحسبني جاهلاً قبل أن تفحص ذاتي الخفية، ولا تتوهمني عبقرياً قبل أن تجردني منذاتي المقتبسة، ولا تقل هو بخيل قابض الكف قبل أن ترى قلبي، أو هو الكريم الجوادقبل أن تعرف الواعز إلى كرمي وجودي. لا تدعني محبّاً حتى يتجلى لك حبي بكل ما فيهمن النور والنار ولا تَعُدنِّي خليّاً حتى تلمس جراحي الدامية."
 
أما مفهوم الشعر عند أرسطو فينحصر في المحاكاة، والشعر الحق عند أرسطو يتجلى فيالمأساة والملحمة والملهاة، فهو يقرر بحزم أن الأعاريض الشعرية لا تعتبر الحقيقةالمميزة للشاعر، وأن المحاكاة لا الوزن هي التي تفرق بين الشعر والنثر.
 
أرسطو في كتابه "فن الشعر"، والذي يعد من أهم الكتب النقدية والدراسات الأدبيةفي العالم، ويبين فيه أنه لم يكن في زمنه اصطلاح جامع تنطوي تحته جميع الأنواع التيتتخذ أداة المحاكاة سواء في النثر أو النظم، والاستعمال الحديث لهذا المصطلح هوكلمة "أدب"، ومن الواضح تماماً أن الوزن وحده ليس كافياً لتمييز الشعر إذ ثمة رسائلفي الطب وفي الفلسفة الطبيعية كتبت شعراً (وهذه الطريقة كانت الأكثر شيوعاً عندقدماء الإغريق من الوقت الحاضر) حتى يسهل حفظها وبالتالي يسهل تذكرها لأن عصرالطباعة والكتب لم يدخلا بعد.
 
يقول أرسطو "ليس لدينا اسم تنضوي تحته مجونيات صوفرون واكزينار خوس ومحاوراتسقراط أو القصائد الإليجية الخماسية والإليجية الرثائية أو بحور أخرى يؤدي بها فنالملحمة بطريقة المحاكاة، حقاً جرت عادة الناس وفيما يتعلق بالشعر أوفيما يختصبالبحر، على أن يسموا البعض بالشعراء الإليجيين أي الذين ينظمون قصائدهم على البحرالإليجي ويسمون آخرين بالشعراء السداسيين، أي الذين ينظمون شعراً سداسي التفاعيل،وبذلك تمايز الشعراء في عرف الناس ليس وفقاً لطبيعة المحاكاة في أشعارهم ولكن علىقاعدة الوزن وحده، حتى الذين ينظمون رسائلهم في الطب وفي الفلسفة الطبيعية يسمونشعراء، ومع ذلك فليس بين هوميروس وامبذوقليس من شركة إلا في الوزن. والأول جديرباسم الشاعر والثاني جدير بأن يسمى طبيعياً لا شاعراً."
 
وكان هوميروس لدى أرسطو شاعراً فحلاً لا لإنه اضطلع في فخامة الديباجة الشعريةفحسب بل لإنه جعل محاكياته في شعره ذات طابع درامي.
ويعيد أرسطو جوهر معنى المحاكاة الإفلاطوني، ولكن على درجة مختلفة فهو يثريهبملاحظاته الدقيقة ودراسته لمئات الأعمال الفنية في المجال الأدبي والمجالالتشكيلي.
 
فكل أنواع الشعر التي عددّها بالإضافة إلى الموسيقى، والرقص، والفنون التشكيليةوأشكال المحاكاة. والمحاكاة هنا ليست عالم المثل - الذي لا وجود له - وإنما الطبيعةمباشرة، ومن ثم فالمحاكاة عند أرسطو بعيدة عن الحقيقة بدرجة واحدة وهنا يمكنناالقول بأن المواقف والأفعال والشخصيات والإنفعالات ينبغي أن تكون مشابهة للحياةوليست صورة فوتوغرافية منها - فوظيفة الشاعر – أو الفنان بوجه عام- هي ألا يحاكيأحداثاً تاريخية معينة أو شخصيات بنفسها. ولكن أن يحاكي أوجه الحياة في عالميتهاالشاملة من حيث الشكل والجوهر والمثال كما تنعكس على صفحة روحه عن طريق ملاحظتهاومدارستها والشعر خلق باعتباره محاكاة للإنطباعات الذهنية، ومن ثم فهو ليس نسخاًمباشراً للحياة. وإنما تمثلٌ لها.
 
ويبرر أرسطو احتمالية اتهام الشاعر بأن محكياته غير حقيقية وذلك في إجابته التيتبين بأن الشاعر يحاكي الأشياء كما هي، أو كما كانت، أو كما ينبغي أن تكون، أو كمااعتقد الناس بأنها كانت كذلك، أي أن هذا الشاعر المتهم بالبعد عن الحقيقة المعروفةللناس، يمكن أن يدافع عن موقفه بأن يعرض الأشياء الحاضرة والماضية والمثالية أو مايعتقده الناس فيها.
 
فقديماً، لاحظ أرسطو في النثر أنه قد يتوافر له نوع من الإيقاع كالشعر، وكثير منالكلام المنظوم لا يدخل في الشعر إذا خلا من الإيحاء ومن التعبير عن تجربة وإذا لمتتوافر له قوة التصوير ووسائل الإيحاء، "وقد عني بها المذهب الرمزي في الشعر" الإيحاء والتصوير إذا انعدما من القصيدة صارت نظماً وفقدت روح الشعر كما أنهما قديوجدان في بعض فقرات في النثر قد تكون له حينئذٍ صفة الشعر.
 
يقول جبران "الشعر وميض برق والنظم ترتيب كلام، فليس إذن من الغريب أن يرغبالناس في الترتيب وهو في مرتبتهم دون الوميض وهو في الفضاء."
إن كتابات أفلاطون والأسقف تايلر والنظرية المقدسة لبيرنت، تمدنا بأدلة لا سبيلإلى إنكارها على أن أسمى أنواع الشعر قد توجد دون وزن بل بدون الغاية التي تتميزبها القصيدة، فالشاعر العربي نزار قباني يقول "قد أصل في خطابي الشعري إلى مستوىالكلام العادي وقد اتهم بالنثرية حيناً وبالتقريرية حيناً آخر.. ولكني لا أغضب ممايقال لأنني اعتقد أن الجدار الفاصل بين الشعر والنثر سوف ينهار عما قريب كما انهارجدار برلين."
 
وأما السير فيليب سيدني فقد مضى إلى النظر إلى أهمية اللقب الذي خلعه الإغريقوالرومان على الشاعر- فالرومان دعوه "Vates" وهو قسيم الكاهن أو العراف أو النبي،والشعر قد يكون سماوياً "هذا لا يعني أنه يجب أن يكون كذلك." وهذا يتجلى لنا منمزامير داوود التوراتية حيث يحتج السير فيليب بأن المزامير إغانٍ نظمت في أوزانولكن الوزن وحده لا يقيم شعراً. بل علينا أن نحصل على الإبداع الحيوي فالإبداع هوالخاصية المميزة للشاعر، إنه يبدع أشياء جديدة معتمداً على فطنته الذاتية.
 
فالشعر دون شك معرفة إنسانية تحمل معطيات الإحساس والرؤية و(ان الاحساس هوالمصدر الوحيد لمعرفة الأشياء في العالم)12، كما يرى ديمقريطيس. في حين يؤكدارنولدهاوزر مكتشف الشعر الحر، أي الشعر الذي ينبثق من الروح اللاعقلية اللاتصوريةوالمضاد لكل تفسير منطقي وليس الشعر في نظر الرمزية إلا تعبيراً عن تلك العلاقاتوالتطابقات التي تخلفها اللغة لو تركت لذاتها بين العيني والمجرد والمادي والمثاليوبين المجالات المختلفة للحواس.
وفي رأي ميلارميه أن الشعر هو الإيحاء بصور تحلق إلى الإعلى وتتبخر على الدوام،في حين يرى الشاعر الأميركي إدجار ألن بو أن الشعر هو الخلق الجميل الموقع، والشعريقصد فيه التأمل في تجربة ذاتية لنقل صورتها الجميلة، وأقوى عناصر الجمال في الشعرهو الموسيقى الكلامية لأنها طريق السمو بالروح وأعظم سبيل للإيحاء وللتعبير عمايعجز التعبير عنه.
 
يقول بودلير "لا يمكن أن يتمثل الشعر بالعلم أو بالخلق، وإلاّ كان مهدداً بالموتأو الخسران، فالشعر ليس موضوعه الحقيقة، وليس له من موضوع سوى الشعر نفسه."، وأماالبرناسية فإنها تعني بالصور الشعرية وصياغتها، ولكنها تحتم الموضوعية في هذهالصور، ذلك أنها قامت على أنقاض الرومانتيكية، في حين أن الشعر السيريالي ما عاديعبر عن أفكار أو عواطف بل يعبر عن نشاط نفسي. والمهم ألا يقطع التيار الداخلي همافنيا أو جماليا، بل المهم إدراك المجهول بحيث يتحول الشاعر إلى راءٍ عبر تشويش عاملكل حواسه واقترابه إلى حد كبير من الحالات الصوفية ومن هنا رفض السيرياليونالتشكيل الشعري ورفضوا كل أنواع البناء الهندسي ورفضوا بذلك مفهوم القصيدة كعمليةتأليف أو تنظيم وكل جهد إرادي في العمل مركزين على الكتابة الآلية التي تتخذ شكل أولا شكل الحالات الداخلية. وهذا ما أعطى الأهمية الأولى للتعبير بالصورة، باعتبار أنهذه العوالم الداخلية لا يمكن استخراجها بلغة تقليدية خارجية بل بصور هي من طبيعتهامهما أغرقت في الغرابة والطرافة والتناقض.
أما التصوريون "Imagist" أتباع المدرسة العصرانية "Modernism" أو المحدثية فهميثورون ليس فقط ضد الكلام المنمق والعبارات الرنانة والكلمات المبتذلة والصورالتقليدية والايقاعات الموزونة بل كذلك ضد الأنماط التفكيرية والتراكيب البينيويةالمعهودة، ولتمردهم هذا أثر محمود في تحرر الشعر الأميركي من القيود الثقيلة التيكان الشعر بها فارغ المعنى، بينما ينظر أصحاب الشعر الخالص أن جوهر الشعر هو حقيقةمستترة عميقة إيحائية لا سبيل إلى التعبير عنها بمدلول الكلمات بل بعناصر الشعرالخالصة، وهذه العناصر الخالصة غير مقصورة على جرس الكلمات ورنين القافية وإيقاعالتعبير وموسيقى الوزن، فهذه كلها لا تصل إلى المنطقة العميقة التي يتخمر فيهالإلهام.
 
أما أنا منير مزيد فأرى أن الشعر عالمٌ مختلف تماماً عن عالمنا المرئي، عالم ملئبالسحر والجمال والطقوس والخرافة بعيداً ومتجرداً تماماً من المادة، فالأسطورة تنمعن الحكمة، فهي بحث الإنسان عن وجوده وعن سعيه الدائم وراء الخلود، وتصوره لماهيةالأشياء التي تحيط به ولا أستطيع أن أتخيل شعرا بلا تطرق إلى الأسطورة أو الخرافة.
 
اما الحلم فهو الكنز الثمين والوجه الآخر الحقيقي للواقع الإنساني وطالما حلمالإنسان منذ أقدم العصور، فالشعر حالة صوفية تتأرجح بين التأمل والحلم فالإنسانبطبيعتة حالة مركبة من المشاعر الرومانسية والألم الواقعي والرموز السيرياليةوالقلق الوجودي، فالإنسان إذن حالة تجمع بين حالات متناقضة والشاعر الحقيقي هو الذييرخي عنان قصائده فتخرج عفوية حصيلة ثقافة انسانية ومشاعر مركبة بقولبة ابداعية،وأنا لا أفند مدارس الشعر في ذاتي بل أمزجها، وكذلك في قصائدي، وهنا تكمن حقيقةالشاعر، أما القصيدة عندي فهي كائن حي "الجسد والروح" فالبناء الشكلي "البنيوي" والبياني يشكلان معاً جسد القصيدة، أما روح القصيدة فهي الصدى الذي يبوح بأسرار روحالشاعر ورؤاه.
 
الشاعر الحديث الاصيل شاعر غزيرالثقافة ذو امتدادات عميقة ووارث الحضارات كلهاوثقافات الأمم يفجر مفردات اللغة لتصوير أفكاره ويرتكز على فلسفة عميقة غنية تخرجهمن القول الضحل الفاني إلى القول العميق الخالد وبالتالي فالشعر ليس كما نريده أونريد له، فهو فيض تلقائي للمشاعر القويَّةِ يَأْخذُ أصلَه مِنْ العاطفة المتأملةولكنه ليس غارقاً في طين الموت والعتمة والشهوة إلى حدود فقدان الرجاء من انطلاقةمتألقة له، فالشعر حياة تجدّد فينا الرغبة في الحياة، وتدفعنا في تيار الحب إلىمزيد من الحب.
 
وقبل الحديث عن شرعية أو عدم شرعية قصيدة النثر، في البداية، علينا أولاً فهمودراسة دورة الحياة المتغيرة وتطورها، فلو عدنا إلى الوراء، وبدأنا بالإطلاع ودراسةتاريخ الأدب والفن، لوجدنا أن العديد من المبدعين في العالم لم تحظ أعمالهمالإبداعية، سواء الفنية أو الأدبية بالتقدير والمكانه المستحقة في الزمن الذي تمفيه إنتاج تلك الأعمال الإبداعية، وإنما حظيت بالتقدير والمكانة بعد سنوات عديدة خلت فالإبداع الحقيقي دوما يثير جدلا قويا في البداية، وقد يحتاج إلى سنوات أو ربماإلى قرون، تبعا لتطور وعي الشعوب، وتطور مفاهيم النقد، لأن الإبداع يسبق الفكرالإنساني السائد. منهذا الفهم أرى أن المستقبل لقصيدة النثر وقد بدأت بالفعل تأخذمكانتها في العالم العربي وبدأت تفرض وجودها على خارطة الإبداع، أما الذين يرون غيرذلك، فهم مجموعة من العجزة، غير قادرين على فهم دورة الحياة المتغيرة والمتجددة.
 







كاريكاتير

إستطلاعات الرأي