على حافة القبر

2019-12-09 | منذ 9 شهر

عبده حقي*

بدا له لحظتها أن كل الأشياء من حوله تنتظر شيئا ما.. أشجار الصفصاف.. ربوة المقبرة المكسوة بالأزهار وأعشاب البقوليات.. أعمدة الهاتف الخشبية المنتصبة في أمرها العسكري.. أسراب العصافير الغافية على أسلاك الكهرباء.. الكلب الأسود القابع على عتبة الطاحونة.. قطيع الخرفان الذي يتلهى طول النهار بالفراغ على حاشية الطريق.. الدلو المترهل المنسي في حافة البئر.. كل شيء يبدو وكأنه ينتظر شيئا ما.

أما هو فكان ينتظر من يقله إلى وجهة ما.. لقد ألف هذا الانتظار الممل كل مساء.. رحلته الأبدية في الصيف والشتاء.. تمرّ السيارات والشاحنات القليلة بطيئة تنوء بأثقالها وتجهد محركاتها لتتغلب على هذه العقبة القاهرة، من دون أن يعبأ أحد من سائقيها بوقوفه أو بإبهام الأوتوستوب التي يرفعها من حين لآخر.. ها هي سيارة بيضاء تلوح في المنحدر.. شرع يلوح لها من بعيد.. لا يدري إن كان هو من لوح لها بإبهام الأوتوستوب، أم يده التي دأبت على ذلك لسنوات من عمره ولوحت من تلقاء نفسها للأمر ذاته.

شرعت السيارة تتباطأ في تؤدة وكان هو مع تباطؤها وتقدمها نحوه يشعر بانفراج وغبطة طفيفة.. الإحساس نفسه الذي ينتابه كلما منّ عليه الوقت بسائق يرق لحال انتظاره الطويل والممل في ذلك الخلاء الموحش والغامض من الكون. أخيرا جنحت السيارة إلى جانب الطريق وتوقفت عند قدميه.. سيارة على شكل مقطورة طويلة بيضاء نقشت على جميع صفائح هيكلها عبارة « نقل الموتى» وعلى الواقية الخلفية «كل نفس ذائقة الموت». أنزل السائق العجوز النافذة الزجاجية وقال: مرحبا.. إطلع.

فتح الباب وجلــــــس.. انطلقت السيارة.. ساد بينهما صمت قصير ملغــــز ومشوب برائحة الجنازات.. كان من المتوقع أن يحدثه العجوز عن أسطورة الموت، وعن لائحــــة طويلة من الموتى الذين رافقوه في نعوشهم إلى مثواهم الأخير.. بعضهم قضوا لأسباب عبثية كلدغة عقرب أو أفعى.. ما أتفه الحياة وما أسخفها! أن يأتي الإنسان لهذا العالم ويعيش فيه.. يقضي عمره حالما.. وفي نهاية المشهد تنهي حلمه فجأة أفعى تافهة.. أليس كذلك؟ في المساء شاع في القرية خبر انقلاب سيارة لنقل الموتى في إحدى المنعرجات قضى بسبب حادثها رجلان كانا على متنها..

 

  • كاتب مغربي

 



إقرأ أيضاً


التعليقات

لا توجد تعليقات حتى الآن ، كن أول المعلقين

إضافة تعليق




شخصية العام

كاريكاتير

إستطلاعات الرأي