حفرة

2019-12-02 | منذ 2 أسبوع

 صلاح بوزيّان*

أصبحت السّفينة قريبة منّي، قرائن كثيرة منتشرة هنا تشي بذلك، الشّمسُ تغنّي في هدأة هذا الصّباح المثير، الشّارع ممتدّ نظيف تجوبه السّيارات والسيّاح والمارة وعربات الكاليس، رحل الصيّف وحلّ الخريف، طرتُ وخرجتُ من الأزقّة وأكوام الدّخان والغبار، وتركتُ عفونة القيل والقال، وتطهّرت من أهوال الحروب، كنتُ مجبرًا على فعل ذلك بقفزة واحدة، بعد أن تكاثر الأعداء بشكل غريب وبسرعة، رغم أنّني لم أنكسّ العلم الأبيض ولكن ذلك لم ينفع مع الغربان، ولأنّني سَلِمْتُ عديد المرّات من المضايق فقد قرّرت السّفر، قطعتُ مسافة قصيرة بسيّارتي ووصلتُ، الحمد لله ها أنا ذا مرّة أخرى هنا أمام صديقي البحر، زال الكربُ، واختفت الصُوَرُ القبيحة لأشخاص يحسدونني على كلّ شيء، ولو على قهوة دفعتُ ثمنها من عرق جبيني، الآن عيناي تنظران إلى العمق الأزرق، إلى السّر الخفي داخل اللّجة، النوارس تلاحقُ بعضها..

انْسَابَ نسيمٌ مُنعش، فداعبني وأذهب عنّي النّعاس الذي أثقلني داخل سور المدينة، هنا في مدينة سوسة الأمر مختلف تماما، المقهى كعادته، مقاعد أمام الواجهة البلورية قبالة البحر مباشرة .. لا أعلمُ كم قضّيت من الوقت داخل الحفرة وأذكرُ أنّني كنت أدعو الله أن يخلّصني من وحشة الحفرة وشدّة ظلامها، فلَطَف بي الله وأرسل إليَّ سيّارةٌ، ونجوتُ، وكنتُ أصبرُ على غربتي في الحُفر، حتّى يأتي الفرج من الله، وكنتُ كلّما أنجو من حفرة أركضُ برجلي وأغتسلُ وأشربُ، فأتعافى..

الحُفرُ كثيرة في المدينة، ولكنّني تعلّمتُ الدّرس وهجرت مسارب التّين الشوكي وأبا لهب وحمّالة الحطب والنّفاثات في العُقد.

وفي ليلة من اللّيالي، وبينما كنتُ قابعًا أمام الموقد أعدّد الأموال والهبات التي تهاطلت على المدينة وتبخّرت، دخلت عليّ امرأة شابّة تبكي، لم أجزع منها وكأنّني أعرفها من قبلُ، وقالت: أنا مدينتكم} وطفقت تشتكي إليّ مأساتها، وكانت لَهِفة على ما مضى، اعتادت المجيء إلى بيتي في أقصى المدينة، حدث ذلك مرّات ومرّات.

ولكنّني الآن لا أعلمُ كم قضّيتُ من الوقت في الحفرة، ولا أتذكّر هل كانت حفرة واحدة أم حفرات كثيرة، المهمّ انقضى أمر الحُفرات، وانصلح حالي وتخلّصتُ من العتمة، هنا أعانقُ البحر، اقتربت السّفينة منّي، وتركتُ كلّ شيء وتوجهتُ إلى الفُلك، تبسمّ الرّبان ومدّ يده وجذبني، فركبتُ، وكان فيها من كلّ زوجين اثنين، فابتهجتُ، وانطلقنا.

 

  • كاتب وناقد تونسي


إقراء أيضاً


التعليقات

لا توجد تعليقات حتى الآن ، كن أول المعلقين

إضافة تعليق

كاريكاتير

إستطلاعات الرأي