ماهي الثقافة؟ الثقافة التي تخدعنا... الثقافة التي تنقذ أرواحنا

2019-09-16 | منذ 1 شهر

 

علاء رشيدي*

أصدرت المترجمةُ لطيفة الدليمي مع دار المدى، الترجمةَ العربية لكتاب "الثقافة" لواحدٍ من أبرز النقاد، والباحثين الأدبيين في حقل الدراسات الثقافية، البريطاني تيري إيغلتن، كتابه الثقافة هذا صدر في العام 2016 عن جامعة (ييل، الولايات المتحدة).

 بدايةً، تبيّن المترجمة لطيفة الدليمي خيارها في ترجمة هذا الكتاب، بكونه بحثاً تاريخياً – سوسيولوجياً – أنثربولوجياً مركباً في مفهوم "الثقافة"، وهو مكتوب بطريقة تيري إيغلتن المميزة، التي يركز فيها على ثيمات محددة في سياق الموضوعة الكبرى التي يتناولها، وهو المعروف عنه نفوره من الصلابة الأكاديمية السائدة، وميله لاعتماد العبارات القصيرة المتلاحقة التي هي أقرب إلى تأكيد لمواضعات راسخة.

ترى الدليمي أن الكتاب يتناول موضوعة معقدة وكثيرة الاشتباكات مع الحقول المعرفية الأخرى، وهي موضوعة "الثقافة"، وترى أن إيغلتن قد قدم فيه ملخصاً أساسياً ومدخلاً لقراءات شاملة أكثر في هذا الموضوع.

أما الكاتب "كه يلان محمد" فاعتبر أن أكثر ما يلفت النظر في كلام إيغلتن هو تطرقه إلى الجوانب السلبية للثقافة، حين يذكر أن الثقافة قد تكون أمراً شديد الخطورة، ومع ذلك ما يزال من يختزل الثقافة على إبداعات موسيقية وفنية وأدبية. أما الناقد بدر سنجاري، فقال إن الكتاب يربطنا بالدراسات الأكاديمية والمنتجات الجامعة الفكرية العالمية.

وهو تتمة للكتاب الهام لتيري إيغلتن بعنوان "فكرة الثقافة" الذي ترجم سابقاً إلى العربية، وتأثر به المفكرون العرب واعتبروه من أبرز الكتب التي تعالج مفهوم "الثقافة"، فكان لابد من ترجمة متابعة إيغلتن التفكير والتأمل في هذه الفكرة، ليتعرّف عليها المفكّرون العرب. كما تأتي أهمية الكتاب من إمكانية تطبيق مقولات إيغلتن عن الثقافة على أي من بنية المجتمعات والحضارات الإنسانية المعاصرة.

الثقافة أشد خطورة مما نعتقد

في المحاورة الهامة التي أجراها معه ديفيد إيبوني، والتي تفتتح الكتاب، يقدم تيري إيغلتن تعاريف متنوعة للثقافة. فالثقافة يمكن أن تكون نموذجاً للكيفية التي نعيش بها، أو شكلاً من هيكلة أو تحقيق الذات، أو ثمرة مجموعة من أشكال الحياة المعاشة لجماعة كبرى من الناس، وقد تكون الثقافة نقداً للحاضر أو صورة للمستقبل. وينبّه إيغلتن: "بالرغم أنه من النادر أن يجري التأكيد على الجوانب السلبية للثقافة. لكن الثقافة يمكن أن تكون أمراً أشد خطورة بكثير مما نعتقد، وهي أشد خطورة مما يدرك الناس، ومع ذلك فثمة من مايزال يفكر بالثقافة بمفردات تخص باخ وبيتهوفن فحسب".

يفتتح إيغلتن الكتابَ بالتبيان أن "الثقافة" مفردة معقدة على نحو استثنائي، فهي المفردة الثانية أو الثالثة في ترتيب الكلمات الأكثر تعقيداً في اللغة الإنكليزية، لكن ثمة أربعة معانٍ رئيسية يمكن إقرانها بمفردة "الثقافة": قد تعني الثقافة: 1 – تراكماً من العمل الفني والذهني 2- الصيرورة التي يحصل بها الارتقاء الروحاني والذهني 3- القيم، العادات، المعتقدات، والممارسات الرمزية التي يوظفها الرجال والنساء في الحياة 4- الطريقة الكلية المعتمدة في الحياة.

الثقافة هوية لاستبعاد الهويات الأخرى

الثقافة بهذا المعنى تخدم غرضاً توصيفياً يميّز الطريقة التي يحيا بها مجموعة من الأفراد عن مجموعة أخرى، ما قد يستلزم درجةً من التشكيك في طرق عيش الحضارات والثقافات الأخرى، تصبح الثقافة هويةً لاستبعاد الهويات الأخرى. وهنا فإن فكرة الثقافة التي تبدو في ظاهرها حميدة وغير ذات ضرر، تصبح حاملة في طياتها بذوراً للخلاف مع البيئة الكامنة خارج فضائها، فتختلف القيم وأسلوب الحياة بين ثقافتين متعارضتين، مثل الاختلاف بين ثقافة النبالة القائمة على ملكية الأرض، وثقافة الفلاحين القائمة على الفلاحة والعمل في الأرض.

الحضارة مادية، الثقافة أخلاقية

الثقافة والحضارة عنتا في الأصل الأمر ذاته، لكن في العصر الحديث، تم التفريق بين المفردتين وتصويرهما على أنهما مفردتان متعاكستان. هي الحضارة الصناعية التي ساعدت على بلورة وولادة مفهوم الثقافة، ولم تصبح مفردة "الثقافة" واسعة الاستخدام حتى القرن التاسع عشر. إذ كلما بدت التجربة اليومية فاقدة للروح ومُفقرة أكثر من السابق، كان مثال الثقافة يلقي دفعةً ارتقائيةً أعظم على سبيل معاكسة الإفقار الروحي السائد، وكلما توغلت الحضارة في نزوعها المادي أكثر من ذي قبل، كانت الثقافة تبدي نزوعاً مقابلاً أكثر ترفعاً عن الاهتمامات الدنيوية. إذ كانت الثقافة أقرب لمفهوم رومانتيكي، في حين أن الحضارة غدت مفهوماً يحكى عنه في سياق مفردات لغة عصر التنوير.

يتضح ذلك في كتاب "تكوين الكنيسة والدولة"، فيكتب مؤلفه صامويل كولريدج، عن الثقافة في سياق الرفعة الأخلاقية، باعتبارها أمراً جوهرياً أكثر أهمية من الحضارة، لكن الحقيقة هي أن الثقافة منتج تخلفه الحضارة ذاتها، فالثقافة هي التي تهتم بالحفاظ على المتانة الروحية والأخلاقية لأية حضارة.

 

الثقافة والطبيعة

يكتب إيغلتن عن مفهوم "الطبيعة": "لطالما تمَّ تبجيل الطبيعة باعتبارها فردوساً للصفاء والسكينة، يستطيع المرء الاحتماء في ملاذها من فوضى الحضارة واضطراباتها الجامحة، غير أن الأمر المعاكس يمكن أن يحصل أيضاً"، ويستشهد بما كتبه المفكّر سلافوي جيجك: "الطبيعة مجنونة، الطبيعة فوضوية وعرضة للكوارث الجامحة التي لا يمكن التنبؤ بها والمفتقدة للمعنى، ونحن في المقابل عرضة لنزواتها عديمة الرحمة. لا اعتقد بوجود أي نظام طبيعي. النظام الطبيعي هو كارثة".

في كتابه "انحطاط الغرب" يجادل أوزفالد شبيلنغر بأن كل الثقافات تنتهي في خاتمة الأمر، للمراوحة حيث هي والتجسّد في هيئة حضارات، وهو الأمر الذي يكشف عن الانحدار الحتمي من الحالة الروحية إلى الحالة الميكانيكية.

الثقافة هي التربية والرعاية

إن واحداً من المعاني الأولية المبكرة التي خلعت على الثقافة هي "التربية والرعاية" التي تفيد التعهّد برعاية أي نمو طبيعي، بشرياً كان أو غير بشري. يستنتج المؤلف أن مصطلح الثقافة الذي نخلعه اليوم على بعض الفعاليات البشرية الأكثر فخامة ورفعة والأكثر التصاقاً بالحياة في الحواضر المدينية، هو في حقيقة الأمر مصطلح ريفي متواضع النشأة. يكتب إيغلتن في الحديث عن الثقافة كرعاية: "إن هدف الوجود الإنساني هو تحقيق الذات، والذات هنا هي مشروع أو واجب أو عمل مستديم يقع عبء النهوض به على عاتقنا، لكن إذا كانت الذات البشرية في حاجة للرعاية المكثفة. بالتالي، تصبح إحدى معضلات الثقافة في الكيفية التي يمكن بها جعل القوى التدميرية تُفرز بعيداً من غير إيذاء القوى الإحيائية".

الثقافة والإيديولوجيا

الإيديولوجيا أمر مختلف عن الثقافة ومتمايز عنها. فإذا كانت الثقافة هي قيم وممارسات رمزية، فإن الإيديولوجيا تشير لتلك القيم والممارسات الرمزية المراد تحنيطها في مفصل زمني محدد، ضمن سياق الحفاظ على استمرارية السلطة السياسية وسطوتها العتيدة. الثقافة إذاً، مفهوم أكثر رحابة من الإيديولوجيا، والكثير من الموضوعات المحتواة في الثقافة مبرّأة من الاعتبارات الإيديولوجية معظم الوقت.

الثقافة كأداة للسلطة والسيطرة

كتب إدموند برك: "لا يرتبط الناس الواحد مع الآخر من خلال أختام وقوانين مسطورة على الورق، بل هم منقادون من خلال التماثلات والتطلعات المتطابقة وسمات التعاطف الإنساني المشترك"، إذ يرى إدموند برك أن الثقافة أمر أكثر جوهرية من القانون أو السياسة. فالثقافة في رأيه هي الطبقة الرسوبية التي تترسخ فيها السلطة وتنبت جذورها، ويعقب بشأن هذه الموضوعة قائلاً: "العادات أكثر أهمية من القوانين، إذ أن القانون يتأسس على تلك العادات إلى حد بعيد".

في عمله الأشهر "مقالة في الطبيعة البشرية" يتطرق الفيلسوف ديفيد هيوم إلى هذا الشأن: "الزمن وحده هو ما يمنح الصلابة لحق الحاكمين وسطوتهم في الحكم، والتعامل التدريجي في تكييف عقول الناس هو ما يجعلهم منقادين لأية سلطة، ويجعل تلك السلطة تبدو عادلة ومعقولة تماماً". ما يقصده هيوم هو أن الشرعية تتعزّز مع الوقت، والسلطة تتأسس على النسيان، فكل السلطات في العالم تنطوي على قدرٍ محتومٍ من الاحتيال والمخادعة، لذلك فإن الثقافة والجماليات بكل تمظهراتها المتعددة – الأعراف المبجلة، فتنة الأرستقراطية وغواياتها، الهالة المقدسة للصلات القرابية، أبهة البرلمان وفخامته المدوخة – لها أهمية حاسمة بالنسبة للحكّام الممسكين بالسلطة. إذاً، الثقافة في نهاية المطاف هي التي لها اليد الطولى على السياسة وكل ما يمت لها بصلة.

الفنون والآداب القادرة على إنقاذ أرواحنا

بالنسبة لمفكرين مثل شيللر وكولريدج وآرنولد، فإن الثقافة هي وقبل كل شيء، قوة من أجل الوصول لتسويةٍ مجتمعية، لأنها تتيح التسامي فوق الخلافات الطائفية وبلوغ تقارب بديل على أساس إنسانيتنا المشتركة، ولذلك فإن الأدب والفنون غير قابلين للاستبدال أو الإلغاء، لأنهما يبدوان قادرين على التعبير عن الإنسانية بطريقةٍ تصويريةٍ مباشرة عظيمة التأثير، بطريقةٍ لا تستطيع الفلسفة أو العلوم السياسية الجافة مجاراتها أو التباري معها.

وهكذا، بعد أن ميّز تيري إيغلتن بين الثقافة والحضارة والإيديولوجيا، ودرس علاقة الثقافة بالسلطة السياسية، كما نوّه إلى الجوانب السلبية التي يمكن للثقافة أن تضطلع فيها في الحضارة الإنسانية، يُعيد التذكير بالجانب القيمي والأخلاقي التي يمكن للثقافة أن تضطلع فيه. فالثقافة بالنسبة له، ممثلةً تحديداً في الآداب والفنون، هي الوسيلة التي تمكّننا من تحسس القيم الأساسية المفترضة التي نعيش في ظلها، كما تؤكد التجربة الإنسانية المتواترة، فيكتب:

"نستطيع، مدفوعين بالقوة المتناغمة للثقافة، أن نرتفع فوق انشغالاتنا المادية المفرطة والرثة بشأن الطبقة، المرتبة الوظيفية، السلطة، الوضعية الجندرية، الخلفيات الإثنية، اللامساواة الاجتماعية، وجعلها معلقة في فضاء أبعد من واقع الحال الذي نعيشه، وإذا بدا أن ليس من حلول سياسية جاهزة إزاء هذه المعضلات، فإن الثقافة كفيلة بترتيب حل روحاني الطابع لها.

وبهذه الكيفية يمكن للثقافة أن تلعب دوراً شبيهاً بالوظيفة التي يؤديها الدين، وهذا أحد الأسباب التي تدفع للنظر إلى الثقافة باعتبارها نسخة علمانية من المعتقدات الدينية. يمكن للثقافة والإنسانيات بعامة أن تكون قلباً في عالم لا قلب له، وروحاً وسط ظروف تنعدم فيها الروح، لكن يمكن للثقافة أيضاً أن تكون أفيوناً، وهنا ستستحيل الثقافة أمراً عديم الجدوى وغير مؤثر إلى أبعد الحدود".

*أديب سوري



إقراء أيضاً


التعليقات

لا توجد تعليقات حتى الآن ، كن أول المعلقين

إضافة تعليق

كاريكاتير

إستطلاعات الرأي