في حدائق وساحات العديد من المدن الصينية، تنتشر ظاهرة اجتماعية تُعرف باسم "زوايا التوفيق بين الأبناء" أو "أسواق الزواج"، حيث يجتمع الآباء والأمهات للبحث عن شركاء حياة لأبنائهم، بحسب روسيا اليوم، بحسب روسيا اليوم.
تشبه مواقع هذا النشاط الاجتماعي الفريد مواقع التعارف على الإنترنت، غير أنها تتوزع في الغالب في حدائق شهيرة في المدن الكبرى، مثل حديقة الشعب في شنغهاي، وحديقة تشونغشان، وحديقة معبد السماء، وحديقة يويوانتان في بكين، وحديقة ليان هوا شان في مدينة شنتشن بجنوب البلاد، وحتى "ساحة العرب" في مدينة هاربين الواقعة في أقصى شمال شرق الصين.
تُعقد زوايا البحث عن زوجات وأزواج للأبناء والبنات غالبا في عطلات نهاية الأسبوع أو خلال أوقات محددة من أيام الأسبوع. على سبيل المثال، تُقام هذه الفعاليات في حديقة معبد السماء في بكين صباح أيام الاثنين والأربعاء والجمعة، بينما تُقام في حديقة يويوانتان بعد ظهر يومي الثلاثاء والسبت. يواظب العديد من الآباء على الحضور وزيارة الحدائق المختلفة في هذه المواعيد لهذا الغرض، حاملين معهم بطاقات مدونة عليها مواصفات أبنائهم وشروطهم في الزواج.
إلى جانب المتطلبات الشائعة مثل امتلاك منزل، ووظيفة مستقرة، والإقامة في نفس المنطقة، تتضمن هذه المعايير شروطا أكثر تفصيلا، من قبيل توافق الأبراج وفقا لعلم التنجيم الصيني التقليدي، الذي لا يزال يحظى بمكانة في أذهان كثير من العائلات.
في الثقافة الصينية التقليدية، أدى "ترتيب الزواج من قبل الوالدين" دورا هاما في عقود الزواج، وحتى في العصر الحديث، لا يزال العديد من الآباء والأمهات يعتبرون زواج أبنائهم مسؤولية أخلاقية وعائلية تقع على عاتقهم.
تساهم في استمرار هذه الظاهرة أيضا، التركيبة السكانية التي يهيمن فيها الذكور في الصين، إلى جانب انشغال الشباب بوظائفهم وضغوط حياتهم اليومية، ومحدودية دوائرهم الاجتماعية الناتجة عن أنماط العيش في المدن الكبرى. هذه العوامل مجتمعة تُشعر الآباء بأن من واجبهم التدخل والمساعدة، خاصة مع تزايد أعداد غير المتزوجين الذين تجاوزت أعمارهم الثلاثين، والذين طال انتظار أقاربهم لتكوين أسرهم. حتى أن مصطلحا صينيا ظهر مؤخرا بمعنى "المرأة المتبقية"، وهو مشابه جدا للمعنى العربي "المرأة العانس"، ويُقصد به في الصين المرأة غير المتزوجة التي يزيد عمرها عن ثلاثين عاما، وهو ما يثير قلق الأهل ويحفزهم على التحرك.
يأتي الآباء والأمهات إلى ما يمكن وصفه بـ"معارض العرسان"، التي تقام في عطلات نهاية الأسبوع في المدن الكبرى، ليخوضوا عملية شبيهة بـ"المتاجرة" بأبنائهم وبناتهم، ذلك أن المال هو العامل الرئيس هنا، إذ يلعب مستوى دخل الزوج المحتمل دورا كبيرا في تقييم حموات المستقبل، لذلك يصبح من الصعب للغاية أن يجد الرجال الفقراء مكانا لهم في هذه الساحات. من المتطلبات الأساسية في العريس أن يكسب أكثر من العروس، وأن يمتلك شقة وسيارة، وأن يكون قادرا على إعالة أسرته، ما يجعل المعايير المادية تتصدر قائمة الأولويات.
اكتسبت هذه المعارض صفة شبه رسمية منذ حوالي عقدين من الزمن فقط، غير أنها أصبحت حاليا واسعة الانتشار وكبيرة النطاق، إذ تتجاوز أعداد المشاركين فيها الآلاف في بعض المدن الكبرى. في الوقت الحاضر، ونظرا لوجود عدد أكبر من الرجال مقارنة بالنساء في الصين، فإن الاتجاه السائد هو أن الفتيات يخترن الرجال المناسبين، وليس العكس. نشأ هذا الوضع بسبب سياسة الطفل الواحد التي طُبقت لعقود، حيث فضل الأزواج الاحتفاظ بالأولاد الذكور ورثة لهم، ما أدى إلى خلل ديموغرافي واضح انعكس على سوق الزواج.
على الرغم من ذلك، فإن الخاطبين الموسرين الذين يملكون سيارة وشقة ودخلا جيدا لا يترددون في اختيار رفيقة لفترة طويلة، ولا يستجيبون لجميع العروض المتاحة، بل يمارسون نوعا من الانتقائية العالية. يقوم الآباء بترتيب لقاء مع المرشح الذي يعتقدون أنه مناسب، وفي الموعد الأول غالبا ما يتبين أن المرشح غير مناسب لسبب أو لآخر، وبعد ذلك يعود الوالدان إلى المعرض مرة أخرى ويبحثان عن مرشحين جدد، وهكذا تتكرر العملية مرارا.
أما إذا حدثت المفاجأة وتصادف أن كان الموعد الأول ناجحا، فإن العروسين يمضيان إلى أحد المنجمين! هذا الإجراء يعتبر إلزاميا في كثير من العائلات، لأن التوقعات الفلكية للصينيين هي تعليمات أساسية لأي حدث مهم في الحياة، سواء كان حفل زفاف، أو معاملة مالية، أو سفرا، أو غير ذلك من المناسبات. على الرغم من أن خدمات المنجم باهظة الثمن، إلا أن الصينيين لا يهملونها، بل يحرصون عليها كجزء من تقاليدهم الثقافية التي ترسخت عبر القرون، ويعدونها مفتاحا للبركة والتوفيق في الحياة الزوجية.
في المجمل، تُعد زوايا التوفيق بين الأزواج في الحدائق العامة نموذجا مصغرا فريدا ومعقدا للمجتمع الصيني المعاصر، فهي تعكس قلق الآباء بشأن مستقبل أبنائهم الأسري، وتُمثل في الوقت نفسه فسحة ناجمة عن الصراع بين الزواج التقليدي الذي يركز على دور الأسرة، ومتطلبات الحياة العصرية التي تفرض على الشباب استقلالية أكبر في اختيار شريك حياتهم. كما أنها تكشف عن التحولات الاقتصادية والاجتماعية العميقة التي يشهدها المجتمع الصيني، حيث تتداخل القيم القديمة مع الضرورات الجديدة في مشهد مليء بالتناقضات.
على الرغم من أن نسبة النجاح في العلاقات التي تتبلور بهذه الطريقة ليست عالية، إلا أن هذه الظاهرة لا تزال قائمة في العديد من المدن، باعتبارها منصة ضخمة لتبادل المعلومات، ومكانا يتيح للآباء التعبير عن مشاعرهم ومخاوفهم، والبحث عن حلول لما يُعرف بـ"العنوسة" أو تأخر الزواج.
هذه الطريقة العلنية للزواج بمثابة نافذة، من خلالها نتعرف على جانب حيوي من حياة الصينيين اليومية، حيث تتجسد المخاوف الأسرية والتطلعات الاجتماعية في مساحات خضراء مفتوحة، تجمع بين العاطفة والمصلحة، والتقاليد والحداثة، والأمل والواقع.
