الاتصال الاصطناعي في مسرح الروبوتات؟!
2026-07-14 | منذ 48 دقيقة
 هايل علي المذابي
هايل علي المذابي

الاتصال الاصطناعي أو الشعور بالنفور أو ما يسمى بمصطلح "وادي النفور"(١) أو التوجس وهو نوع من الاتصال ظهر مع بداية التطور التكنولوجي(٢)، فحسب "al., & Rozzano Locsin - 2011" منذ أكثر من 40 عامًا، درس "موري مازاهيرو" Masahiro Mori "الآثار التي كان للمظهر المرئي للروبوتات على الجذب العاطفي أو التنافر البشري. وفقًا لفرضية " موري" "1970، فكل روبوت مصمم ليشبه إلى حد ما الإنسان في المظهر والسلوك، وكلما زاد شعور الإنسان بالألفة، سيشعر بمزيد من الإيجابية والاتصال تجاه الروبوت. ومع ذلك، عندما يصبح الإنسان الآلي في مظهر إنساني أكثر من اللازم، يتم الوصول إلى نقطة يبدأ فيها البشر فجأة في الشعور بالنفور، على سبيل المثال عندما يرون يدًا بها العضلات والأوتار والأوردة ثم يدركون بأنه طرف اصطناعي، سيشعرون بالغرابة أو "الألفة السلبية". وبالمثل، يحدث الشعور السلبي عند رؤية الشخص المتوفى: جسد الشخص موجود، لكن الشخص قد رحل، هذا الشعور هو وادي النفور "أو الاتصال الاصطناعي".
وقبل الحديث عن الاتصال الاصطناعي في سياق الصناعة المسرحية والفنية يجدر بنا الحديث عن تمثلات عامة لمخاوف أخرى تجاه صناعة الروبوتات وأهم هذه التمثلات هو الخوف الوجودي، ويجدر الإنتباه إلى أن الأساس الذي ينطلق منه هاجس الخوف الوجودي المصاحب لصناعة الروبوتات الشبيهة بالبشر، قد تبدت تفاصيله بوضوح في تقنية الذكاء الاصطناعي ذات القابلية الذاتية المستقلة للتطور بعيدا عن صناع ومبرمجو هذه الصناعات الروبوتية، إذ أن تقنيات الذكاء الاصطناعي التي تعمل بها هذه الروبوتات قد تصل إلى مستوى من الوعي والقدرة التي تمكنها من تطوير برمجتها بشكل استقلالي وصناعة لغة تفاهم خاصة بها، لا يفهمها حتى مبرمجها وصانعها الأصلي، لولا، وعلى الرغم من ذلك، أن ثمة نشوة عقلية تصاحب هذه الصناعات وتحول دون التوقف عن تطوير برمجيات الروبوتات المستمر، هذه النشوة هي نشوة الصانع بما يصنعه، والمبتكر بما يبتكره، والمُجدّ لما يعيه ويستوعبه، وبالإضافة إلى ذلك ثمة أبعاد اقتصادية تبرر ذلك التطور الذي تجتهد وتتنافس فيه الدول الصناعية الكبرى وشركات صناعة الروبوتات، وهي أبعاد مرتبطة باتساع النفوذ والسيطرة في سياق تجارة التكنولوجيا وصناعاتها.
وكما يبدو جلياً فإن المستقبل الذي ينتظر الحضارة البشرية في ظل هذه التحولات هو مستقبل سيبتعد كثيرا عن الجذور البيولوجية للكائن البشري وسيزدهر بالمقابل مستقبل صناعات الذكاء الاصطناعي التكنولوجية فالأتمتة أو التأليل قد بدأ منذ وقت غير بعيد وسيستمر في الاتساع حتى يستوعب كل شيء؛ إنها عملية إلغاء وإزاحة لكل ما هو بشري أو للكائن البشري دور فاعل فيه في حيز الحياة اليومية وإذا استمر هذا التحول فإن سلطة البشر على هذا الكوكب التي كانت تراكماته المعرفية وقدرته على التفكير وامتلاكه للذكاء وغيرها تلعب دورا أساسياً فيها، يمكن القول أنها ستزول وتتلاشى حتما وثمة احتمال وارد بأن تذهب تلك السلطة إلى أيادٍ أخرى منها بلا شك يد تقنيات الذكاء الاصطناعي ومنتجات التكنولوجيا الروبوتية؛ إنها تمثل أيضا تهديدا لوجود البشر على هذا الكوكب، وهو تهديد لا ينبغي الاستهانة به، ومثلما تعمل الأوبئة والكوارث التي تواجهها البشرية كل يوم على إفناء الإنسان تعمل كذلك صناعات التكنولوجيا وثورة الأتمتة على إفناء الإنسان أيضا لكنها بشكل لا يمكن لأحد أن يصفه بأنه كارثي لإنه لا يحدث بشكل مباشر ودفعة واحدة أي أنه يحدث بالتدريج وهذا ما يجعل البشرية تتساهل أمامه، وإذا لم يتم الانتباه لمثل هذا فيمكن التأكيد أن مستقبل الأجيال اللاحقة سيكون مجهولاً ويحمل صفة الشك كما في القول "يكون أو لا يكون.
أما التمثلات الخاصة بالمخاوف من ابتكار الروبوتات وصناعتها في سياقات الصناعات الفنية وصناعة الممثل في المسرح تحديدا ومستقبله في سياق وجودها واتساع رقعة انتشارها واستخداماتها فيمكن القول تفنيدا لتلك المخاوف بأنه عندما يقترب مظهر وسلوك الروبوت إلى شبه حقيقي بالإنسان، يمكن أن يبدأ البشر مرة أخرى في الشعور بالإيجابية والاتصال ويكون لديهم نفس الشعور بالتقارب بالنسبة للروبوت كما هو الحال بالنسبة للبشر أنفسهم. على الرغم من القبول المختلط لفرضية موري فإن رد فعل المستهلكين الذين يدعمون الطلب على تقنيات المشاركة الفنية يغير بلا شك مدى تأثير الروبوتات البشرية، مهما كان شكلها، على المشاركة. ويمكن شرح ذلك برسم بياني يوضح سيرورة مفهوم "الاتصال الاصطناعي" وهو كما نراه هنا:

ومن هذا نجد أن العلاقة التي تربط المتلقي/المستقبل بالممثل هي علاقة المشاركة فكلما كانت عملية الاتصال احترافية وتحتوي أركانها الثلاثة الادراكي والحركي والوجداني كلما كانت المشاركة والاستجابة لدى المتلقي/المستقبل أكبر وحتمية، أما بالنسبة لأداء الروبوتات فلا يمكن أن تحقق من الأركان الثلاثة للمشاركة والاتصال مع المتلقي سوى ركن الاتصال الإدراكي بناء على النص الذي يفرض عليها تقديمه أما الحركي فلا يمكن أن تمتلك مرونة كافية تخولها تحقيق المشاركة مع المتلقي وأما الوجدانية فتفترض وجود تعابير حقيقية على وجه الممثل وهذا هو المستحيل الذي سيواجه عالم صناعة الروبوتات فهذه القدرات صفة إنسانية خالصة، كذلك فإن تمثلات التكنولوجيا في صناعة الاتصال الفني تمثل عجينة في يد المخرج فهو بدوره يصنع ما يريد تقديمه ويحقق بمهارته الاتصال مع جمهور التلقي ويخلق الألفة والمشاركة.
ونستنتج من ذلك أنه سيكون من المستحيل إيجاد بديل حيوي للممثل في صناعة المسرح أو حتى السماح بالتفكير باستبداله بروبوتات على الأقل في الوقت الراهن، لان وجود الروبوتات هو وجود شراكة مع الكائن البشري وليس وجود إلغاء، ربما لأن غاية التفاعل والتعاطف الكاملة لا تستطيع أن تتحقق مع المتلقي في محور المشاركة الوجدانية وكذلك الحركية مع المتلقي ما يجعل من الصعوبة اعتبار وجودها على خشبات المسارح فناً وكذلك فإن اتصالها الاصطناعي يجعلها جالبة للنفور والخوف على عكس الممثل البشري. وفي حال تحقق الاتصال بأركانه الثلاثة بين الروبوتات الشبيهة بالبشر وبين جمهور التلقي من خلال تطوير صناعة هذه الروبوتات فإن الحال حينها سيكون إحدى إثنتين: الأول: القضاء على مستقبل الممثل نهائيا واقصاؤه خارج سياق الصناعة المسرحية والثاني: خلق مسار موازٍ لمسار الممثل البشري وهذا المسار الجديد يشبه مسار مسرح الدمى والعرائس وسيكون بالتالي له جمهوره ومحبيه شأنه شأن مسرح الدمى والعرائس ومبادئه ونظرياته الفنية والنقدية أيضا.

هوامش:

(١) في عام 2008، كان كارل ماكدورمان يعمل حتى وقتٍ متأخر في جامعة أوساكا باليابان عندما دبت الحياة في جهاز الفاكس لديه حوالي الساعة الواحدة صباحًا وأخرج مقالًا عمره ٣٥ عامًا باللغة اليابانية أرسله إليه أحد زملائه. أسر المقال اهتمام ماكدورمان الذي كان يعمل وقتها على تصميم روبوتات أندرويد تتسم بالواقعية المفرطة. حذر المقال أنه إذا ما أصبحت الروبوتات الاصطناعية تشبه الهيئة البشرية إلى حد كبير سيشعر الناس بالنفور. ومن ثم أعد مع زملائه ترجمة إنجليزية سريعة لهذا المقال وأطلقوا على هذه الظاهرة اسم "وادي النفور". كان المقال الذي قرأه ماكدورمان قد نُشر عام ١٩٧٠م بقلم عالم الروبوتات الياباني ماساهيرو موري، وكان عنوانه "وداي الخوف". وتناول المقال قدرة الروبوتات الشبيهة بالإنسان على إثارة شعور عجيب بعدم الارتياح لا تسببه الروبوتات الآلية الأخرى وهو ما سمي بالاتصال الاصطناعي. أما فقدان الاتصال فيحدث عندما تبدو الكائنات الاصطناعية مثلنا، فإنها تقع ضمن ما يطلق عليه "وادي النفور" أو "الاتصال الاصطناعي". وقد يرجع السبب في ذلك إلى كوننا نشعر بتعاطف أقل تجاهها. وفي حين أنه من المعروف أن سمات الوجه والجسم غير الطبيعية يمكن أن تدفع بعض الناس لتجنب الآخرين، يؤمن بعض الباحثين أن التصميمات الاصطناعية الشبيهة بالإنسان تثير أعصابنا بشدة. المرجع: هايل علي المذابي، المصعد في نقد المسرح، دار اليازوري، الأردن، 2018.
(٢) عرف تاريخ فن المسرح الانتصار (ضمنيا) لوجود الروبوتات واحلالها مكان الممثلين في توجهات تادواش كانتور وإدوارد ﯖردون كريـﯖ Gordon Graik حين ثار على الممثل الواقعي والممثل الطبيعي اللذين كانا نموذجين وفيين لمنطق التقليد والمحاكاة والاندماج السطحي، ودعا إلى استبدال ممثل النقل والاقتباس والتقمص الحرفي بممثل الخلق والإبداع. ففضل أن يستخدم في مسرحه الأقنعة والدمى والعرائس والماريونيت، بدلا من توظيف الممثلين والنجوم. وطالب الممثلين أيضا بأن يكونوا نسخا إيجابية من هذه الأشكال اللعبية الهادفة. كما أمرهم بطاعة المخرج ولو كان ديكتاتوريا، وعليهم أن يستسلموا لإرادته وأوامره؛ لأن المخرج بمثابة قائد للسفينة، فمن خالف أوامره وتعليماته، فقد أخل بنظام السفينة. وبالتالي، فعلى المتمرد أو المنشق أن يحاكم محاكمة شديدة وصارمة. وينبغي للمخرج بالنسبة لكريـﯖ أن يتسم بطابع سلطوي وديكتاتوري، فلا يعطي أدنى حرية للممثلين لكي يتصرفوا وفق ملكاتهم الشخصية، فيمثلوا حسب تخيلاتهم الشخصية ورؤاهم الذاتية. يريد كريـﯖ أن يكونوا دمى مطوعة وأدوات محركة بسهولة ومرونة شديدتين، تنفذ بانقياد سريع كل خطوات التصميم الدراماتورجي الذي وضعه المخرج للمسرحية وأيضا للفرقة على حد سواء. والسبب وراء هذا الطرح عند كوردون كريك هو الحد من غرور الممثل النجم في المسرح الإنجليزي الذي كان يتباهى بعروضه المسرحية، فيتبختر فوق الركح صوتا وحركة وخطابا، عارضا شخصيته الفنية العظيمة أمام الجمهور الحاضر بكل قوامها الكوريغرافي وقسماتها التشخيصية. ثم، يتعالى على المدير الفني، ويتكبر على المخرج بشهرته وذيع صيته، وذكر مكانته عند النقاد والجماهير المعجبة. ومن هنا، يطلب كريـﯖ من الممثل:" أن يكون نغمة مؤتلفة مع جميع النغمات المسرحية الأخرى، من ممثلين وممثلات، وأدوات وأضواء ومناظر وحركات وخطوط وألوان...ولكنه لم يكن يجد من يرعى في تمثيله... وقد جاهد طويلا لكي يحقق ذلك...إلا أنه أخفق مؤقتا؛ لأن الممثلين والممثلات كانوا لا ينسون غرورهم فوق المسرح، وكان هم كل منهم أن يصفق له الجمهور وحده... وأن يقال عنه إنه هو وحده الممثل العظيم الذي لا يباري... لماذا؟ ...لأنه كان يخلب ألباب الجمهور بوجهه المعبر؛ وتقلصات عضلاته التي كان يسرف في إظهارها إسرافا يطغى على جميع ما يضمه المنظر؛ بل ينسخ المسرح كله في أعين المشاهدين... فلا يرون إلا حضرة الممثل... أو حضرة النجم العبقري! ولما ضاق كريـﯖ بهذا الطراز من الممثلين تمنى أن يختفوا جميعا، وأن يحل محلهم الممثلون الدمى... والعرائس... أو الماريونيت." والغرض من تحويل الممثل إلى دمية هو التحكم في دفة الممثل وتحريكه كيفما يريد المخرج ليوصل فكرته إلى الجمهور، ثم تمثل الروح الدينية والطقوسية التي تكون وراء استخدام الأقنعة والدمى التي توحي بفكرة العبادة والتقديس. أنظر: جميل حمداوي، نظريات الممثل في مجال المسرح، pdf. (بتصرف).

*من كتاب لم ينشر بعد بعنوان "مستقبل الممثل في عصر الروبوتات" ٢٠٢٢.



مقالات أخرى للكاتب

  • ثنائية التتويج والخلع في فعالية السوشل ميديا.!
  • "الوطني".. الفكرة النبيلة والواقع المشين؟!
  • لماذا تخاف الدولة من قانون تجريم وتحريم التمييز والعنصرية؟!









  • كاريكاتير

    إستطلاعات الرأي