عقدة المبادرة الأميركية في السودان
2026-07-16 | منذ 1 ساعة
 عثمان ميرغني
عثمان ميرغني

لا يكلّ السودانيون من الجدال في السياسة ولا يتوقفون عنه. ولعل ذلك من معضلات الحياة السياسية، إن لم يكن من لعناتها. فهذا الجدال المستمر حول كل قضية، وفي كل تفصيل، جعل السياسة ممارسة شاقة في السودان، وصعّب الوصول إلى التوافق، حتى غدت المماحكات سمة ملازمة للعمل السياسي، وعائقاً أمام الحوار والاستقرار.

لذلك لم يكن مستغرباً هذا الجدل المحتدم حول التسريبات المتعلقة بالورقة الأميركية لإنهاء الحرب، والرد الحكومي عليها، ونسيج الروايات المتعددة حول لقاء في القاهرة بين المبعوث الأميركي مسعد بولس، وعضو مجلس السيادة الفريق شمس الدين كباشي. حتى بعد النفي الأميركي لما تردد بشأن قبول معظم بنود الخطة أو حصر الخلاف في نقطة أو نقطتين، واصلت ماكينة الإشاعات إنتاج المزيد من الروايات.

سياسة الصمت الحكومي سهلت بالتأكيد الأجواء للإشاعات. فالشفافية مطلوبة، حتى وإن كانت طبيعة المفاوضات تقتضي قدراً من السرية في التفاصيل. ولو بادرت الدولة إلى الإعلان عن تلقيها المقترحات الأميركية، وأنها بصدد دراستها، لأغلقت الباب أمام كثير من التكهنات.

الحقيقة أن ما تسرب بشأن هذه المبادرة لا يتضمن جديداً في عناوينه الرئيسية؛ فمعظم هذه البنود سبق أن طُرحت، وتحدث عنها المبعوث الأميركي نفسه في مقابلات صحافية. وإذا كان ثمة جديد، فهو في بعض التفاصيل، أو في جوانب من الردود على المقترحات، وهي أمور لم يكشف عنها أي من الأطراف بصورة رسمية.

العنوان الرئيسي للخطة الأميركية هو هدنة إنسانية لمدة 90 يوماً. وتندرج تحت هذا العنوان تصورات لترتيبات بشأن الانسحابات العسكرية المتبادلة لتيسير إيصال المساعدات الإنسانية، وحماية المدنيين والمنشآت، ووضع آليات للرقابة وضمان التنفيذ. وتفترض الخطة استثمار فترة الهدنة في التمهيد لمفاوضات على وقف دائم لإطلاق النار، ثم إطلاق عملية سياسية وحوار وطني يفضيان إلى تشكيل حكومة مدنية تقود العملية الانتقالية، والترتيب للانتخابات.

الواضح أن الخلاف لا يتعلق بمدة الهدنة ولا بعناوينها العامة، وإنما بما سيجري خلالها، وبالتحديد فيما يتصل بترتيبات أي انسحاب وإعادة الانتشار والسيطرة على الأرض. فالمقترح الأميركي مثلما أوضحه في أكثر من مناسبة المستشار مسعد بولس، يقوم على بدء تنفيذ وقف إطلاق النار أولاً، ثم مناقشة ترتيبات الانسحاب وإعادة الانتشار خلال فترة الهدنة. أما الموقف السوداني، كما عبّر عنه الفريق عبد الفتاح البرهان، وكما ورد في خطة السلام الحكومية، فينطلق من ضرورة انسحاب «قوات الدعم السريع» أولاً من كل المدن والمواقع التي احتلتها بعد اتفاق منبر جدة في مايو (أيار) 2023 على أن تتجمع هذه القوات في مراكز محددة، حتى لا تتحول الهدنة إلى فرصة لتثبيت مواقعها والحصول على إمدادات جديدة وإعادة تنظيم صفوفها.

في المقابل، تبدو «قوات الدعم السريع»، وإن أبدت قبولاً بمعظم عناصر الخطة، متمسكة برفض الانسحاب من مواقعها، وتعتبر ذلك مدخلها لضمان أي دور في ترتيبات المرحلة المقبلة.

هل تختلف الخطة الأميركية عن مبادرة «الرباعية»؟

رغم أن التحركات الأميركية تصدرت المشهد، فإن الخطة المطروحة تبدو امتداداً لتحرك «الرباعية» أكثر من كونها مبادرة منفصلة. فالولايات المتحدة قادت صياغة الخطة وتولّت التفاوض المباشر مع الأطراف السودانية، لكنها ظلت تنسق بصورة مستمرة مع بقية أعضاء «الرباعية». لذلك بقيت المبادئ العامة واحدة، بينما انصب الجهد الأميركي على بلورة التفاصيل ومحاولة تقريب وجهات النظر.

ما هي فرص النجاح؟

يمكن تصور أربعة سيناريوهات. الأول، أن تطرأ تطورات تجعل الخطة الحالية مقبولة كما هي، وهو احتمال يبدو ضعيفاً للغاية، نظراً لتعقيدات موضوع الانسحابات العسكرية، فضلاً عن القضية الأكثر حساسية، وهي مستقبل «قوات الدعم السريع»، وما إذا كان وارداً القبول بأي دور مستقبلي لها.

أما السيناريو الثاني، فيقوم على إدخال تعديلات تجعل الخطة مقبولة، غير أن ذلك يبدو أقرب إلى محاولة تربيع الدائرة، في ظل التباعد الكبير في المواقف بشأن الترتيبات العسكرية.

والسيناريو الثالث يتمثل في اعتماد مقاربة تدريجية تبدأ بهدنة محدودة في بعض الجبهات الساخنة، مثل مدينة الأبيض، مع فتح مسارات آمنة للمساعدات الإنسانية، ومحاولة تطبيق إجراءات لبناء الثقة. هذا السيناريو قد يكون وارداً في ظل الضغوط الإنسانية والدولية المتزايدة، لكنه لن يحقق الاختراق الذي تطمح إليه واشنطن، كما أن استمرار العمليات العسكرية سيظل عاملاً يقوض فرص نجاحه.

ويبقى السيناريو الرابع هو فشل المبادرة المطروحة، كما حدث مع محاولات سابقة. وفي هذه الحالة يكون السؤال ما إذا كانت الإدارة الأميركية تملك الرغبة والإرادة لمواصلة جهود الوساطة والبحث عن صيغ جديدة، أم أن انشغالها بأزمات دولية أخرى، واقتراب انتخابات الكونغرس النصفية، سيدفعان الملف السوداني إلى مرتبة أدنى في سلم الأولويات.

وفي جميع الأحوال، فإن مستقبل المبادرة لن يتحدد فقط بما سيحدث في واشنطن، بل أيضاً بما قد تشهده ساحات القتال من تطورات ميدانية قد تعيد رسم موازين القوى، وتفرض معادلات مختلفة.

 

*هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولايعبر بالضرورة عن رأي موقع الأمة برس - الشرق الاوسط



مقالات أخرى للكاتب

  • الهجرة أزمة بلا حلول سهلة
  • كيف تتحول جرائم فردية إلى وقود للكراهية؟
  • هل تصمد الهدنة الأميركية ــ الإيرانية؟









  • كاريكاتير

    إستطلاعات الرأي