
شفيق الإدريسي*
كُلَّما أنهيتُ قصيدتي،
سالَ الحبرُ من أصابعي،
كما يسيلُ العنبُ حين تعصره شمسُ الظهيرة،
فيصيرُ نبيذا من ضوء.
وتَدلّى على خدِّ ذاكرتي
كدمعةٍ سوداء
تعرفُ طريقها إلى القلب،
كما تعرفُ السنونو طريقَ الربيع.
كلّما أنهيتُ قصيدتي،
هربتُ إلى بحرِ طفولتي،
ذلك البحرُ الذي كان ينامُ في جيبي
مثل صدفةٍ زرقاء،
تتنفّسُ ببطءٍ
كصدرِ أمٍّ نائمة.
كنتُ أسمعُ خطاه القديمة
تمشي حافيةً على الرمل،
وتناديني باسمي الأوّل،
ذلك الاسمُ الذي خبّأته جدّتي
في منديلٍ معطّرٍ بالنعناع
ثم رحلت.
هناك،
أرسمُ زورقًا من ورق،
أبيضَ كحمامةٍ خرجت لتوِّها
من يدِ أمّي،
وأتركه يبحرُ فوق بركة المطر،
كأنّه رسالةُ حبٍّ
إلى زمنٍ لا يجيب،
أو إلى قلبٍ بعيد
أغلق نافذتَه
ونسي المفتاحَ في الغياب.
ثم أرسمُ مطرا
يهطلُ في آخر المساء،
مطرا غزيرا كقُبلات الفراق،
ليناً كيدِ امرأةٍ
تمشّط شعرَ الريح،
وحزينا كنافذةٍ
تنتظرُ عودةَ أحد.
مطرا يطرقُ أبوابَ البيوت القديمة،
ويغسلُ وجوهَ العابرين
من تعبِ النهار.
كلّما أنهيتُ قصيدتي،
بدأ العالمُ من جديد:
شجرةٌ ترفعُ ذراعيها إلى السماء
كمن يطلبُ الغفران،
ونجمةٌ صغيرة
تتعلّمُ اللمعانَ فوق سطوح الفقراء.
وقلبي،
ذلك الطائرُ المتعب،
يعودُ من منافي الهواء،
يحملُ في منقاره قشّةً من الحنين،
وريشةً من الليل،
ليبني عُشَّه
في سطرٍ أخير،
ثم ينامُ قليلا
في بياضِ الصفحة.
ينهضُ مذعورا،
كأنّ حلما انكسرَ في نافذته،
فيجمعُ فتاتَ الأغنيات،
ويُذيبه في بوتقةِ الصمت،
ثم يُعيدُ صوغَ نبضه
على هيئةِ جناحين.
ثَمّةَ مزهريّةٌ من الضوء
موضوعةٌ عند حافّةِ الروح،
كلّما مرَّ بها الحزنُ
أزهرت،
وكلّما مرَّ بها الفرحُ
تناثرَ منها عطرٌ قديم.
وقلبي،
ذلك الطائرُ الذي يعرفُ الطريقَ
ولو تاهت الجهات،
يعودُ مرّةً أخرى
ليبني عشَّه
في سطرٍ أخير،
ثم ينام…
*شاعر مغربي