كيف يحدد جهازك الهضمي عدد السعرات التي يستفيد منها جسمك؟

الأمة برس
2026-06-17 | منذ 2 ساعة

كيف يحدد جهازك الهضمي عدد السعرات التي يستفيد منها جسمك؟ (الرجل)بينما تقف في متجر تُطالِع العبوات الغذائية، وتفتّش في ملصق الحقائق الغذائية عن نسبة السعرات الحرارية، وبعد أن اطمأننت أنّ ذلك لن يضرّ حميتك التي بدأتها قبل أيام، وذهبت لشراء العبوة ودفعت ثمنها، فهل يصل إلى جسمك عدد السعرات الحرارية التي قرأتها أم أقل أم أكثر؟، بحسب الرجل.

صحيح أنّ كثيرًا من الأنظمة الغذائية تعتمد على فكرة حساب السعرات الحرارية، ولكن لكلّ جسمٍ طريقته في امتصاص السعرات الحرارية والتعامُل معها، ومِنْ ثمّ فإنّ عدد السعرات الحرارية الذي يصل إلى جسمك حقًا قد لا يكون كما تعتقد.

فبعد أن يمرّ الطعام على إنزيمات هضمية، ويصل إلى الأمعاء التي تختلف مساحة سطحها الداخلي -الذي يتيح امتصاص الطعام- من شخص لآخر، مرورًا بالبكتيريا النافعة التي تمتصّ ما تبقى من السعرات، فإن ذلك يمثّل رحلة شاقة قبل أن تحطّ السعرات الحرارية رحالها في جسدك، فلماذا لا يحصل كلّ الناس على نفس السعرات رغم تناول الأطعمة ذاتها؟

ما هي السعرات الحرارية تحديدًا؟

السعرات الحرارية هي وحدة لقياس الطاقة، والتي تدلّ على كمية الطاقة اللازمة لتسخين مل واحد من الماء بدرجة مئوية واحدة، وفي حالة الطعام، فإنّ سعرة حرارية واحدة من الطعام هي الطاقة اللازمة لتسخين لتر واحد من الماء بدرجة واحدة.

والعناصر الغذائية الكُبرى في نظامنا الغذائية لا تخرج عن:

  • الدهون: توفّر 9 سعرات حرارية لكل جرام.
  • البروتين: يوفّر 4 سعرات حرارية لكل جرام.
  • الكربوهيدرات: توفّر 4 سعرات حرارية لكل جرام.

ومن الطبيعي أن يختلف عدد السعرات الحرارية المناسب لكل شخصٍ عن غيره حسب احتياجاته، ولكن في حالة الرغبة في خسارة الوزن، فيُنصَح بأن يقلّ عدد السعرات الحرارية التي تتناولها عن احتياجاتك.

هل كلّ السعرات الحرارية متساوية بغض النظر عن مصدرها؟

تُبنَى فكرة إنقاص الوزن على عجز السعرات الحرارية، بغض النظر عن مصدر هذه السعرات، فإذا تناولت سعرات حرارية أقل مما تحرقه، فمن المرجّح أن تفقد الوزن، بينما لو فعلت العكس، فقد يزداد وزنك.

وقد أثبتت الدراسات، مثل دراسة عام 2009 في مجلة نيو إنجلاند الطبية "The New England Journal of Medicine" أنّ عدد السعرات الحرارية التي تتناولها هو ما يهمّ في رحلة إنقاص الوزن، وليس ما إذا كانت آتية من الدهون أو الكربوهيدرات أو البروتين.

ولكن هل يعني ذلك أن تتناول ما تريد من السكر -فهو أيضًا مصدر للسعرات الحرارية- طوال اليوم، طالما لا تتجاوز أهدافك من السعرات الحرارية؟

الحقيقة أنّ جسمك لا يرى السعرات الحرارية كما هي عندما يتعامل مع الطعام، بل هو يرى الطعام باختلاف أنواعه، ولكل نوع طعام مسارات كيميائية حيوية مختلفة عن الآخر، لهضمه واستقلابه واستفادة جسمك منه، وهو ما يحدّد بنهاية المطاف ما إذا كانت السعرة الحرارية التي تناولتها مُشبِعة لك أم ستفتح شهيتك لسُعرات حرارية أخرى.

لماذا لا نحصل على نفس السعرات الحرارية رغم تناول الأطعمة نفسها؟

قد تحدّد سعراتك الحرارية بدقة في وجباتك بما يناسِب هدفك من إنقاص الوزن، ولكن مع ذلك فقد لا يُحصّل جسمك هذا العدد من السعرات الحرارية الذي حدّدته أنت بالفعل؛ إذ هناك عوامل أخرى تتحكّم في استفادة جسمك من السعرات الحرارية، كما يتضح فيما يأتي:

1. اختلاف امتصاص السعرات الحرارية

مبدئيًا إذا لم يتمكّن جسمك من هضم نوعٍ مُعيّن من الطعام، فمن الطبيعي أنّه لن يكتسب منه سعرات حرارية، بمعنى أنّ السعرات الحرارية تُحسَب فقط عندما يهضم جسمك كلّ ما تأكله بالفعل، ولكن هل هذا ما يحدث دومًا؟

ثمّة اختلافات طبيعية بين البشر في عمليات الهضم والتمثيل الغذائي، يمكِن أن تترك أثرًا وراءها في تلك العملية، مثل الاختلاف في:

  • عدد الإنزيمات الهضمية، ما قد يؤثّر في مدى فاعلية تكسير الدهون والبروتين والكربوهيدرات، ومِنْ ثمّ قدرة الجسم على تحصيل السعرات الحرارية.
  • سُرعة مرور الطعام عبر الأمعاء، فُكلّما كان الهضم أبطأ، استخلص جسمك مزيدًا من العناصر الغذائية.
  • مساحة سطح بطانة الأمعاء، فقد يتوافر لبعض الناس مساحة سطح أكبر لامتصاص الطعام.
  • إنتاج الأحماض الصفراوية، ما قد يؤثّر في طريقة معالجة جسمك للدهون.
  • كفاءة استهلاك الطاقة بوساطة خلايا الجسم، ما يعني أنّ بعض الأشخاص قد يحرقون مزيدًا من السعرات الحرارية فقط، للحفاظ على الوظائف الأساسية، مثل التنفس.

2. توازن ميكروبيوم الأمعاء

رغم أنّ 90% من السعرات الحرارية في طعامك تُمتصّ في الأمعاء الدقيقة، فإنّ بعض ما يتبقّى من السعرات (مثل الألياف التي يصعب هضمها) تتعامل معه بكتيريا الأمعاء لامتصاصه.

ولذا فإنّ اختلاف ميكروبيوم الأمعاء الطبيعي، يمكِن أن يؤدي إلى امتصاص كل فردٍ لعدد أكبر أو أقل من السعرات الحرارية من نفس الطعام الذي تناوله شخص آخر.

وإذا أخذنا البطاطس المخبوزة مثالًا، فإنّه حسب عدد البكتيريا التي تقلّل النشا المقاوم في ميكروبيوم شخص ما، قد يستخرج الجسم طاقة من البطاطس المخبوزة أكثر من أي شخص آخر، وهذا قد يكون له انعكاس بالتأكيد في وزن الجسم.

3. مستويات الإنزيمات الهضمية

تُنتَج معظم الإنزيمات الهاضمة في البنكرياس، كما أنّ بعضها يُنتَج في الفم والمعدة والأمعاء الدقيقة نفسها، وغالبًا ما تستهدف تلك الإنزيمات عناصر غذائية مُحدّدة.

فمثلًا يكسّر الليباز الدهون، بينما يتعامل الأميليز مع الكربوهيدرات، بالإضافة إلى إنزيمات أخرى تتعامل مع البروتينات.

لذا إِنْ كانت الإنزيمات الهاضمة غائبة أو غير موجودة بكميات كافية، فقد يعطّل ذلك قدرة الجسم على تكسير السكريات والدهون والبروتينات ومنتجات الألبان، ومِنْ ثمّ لا يستخلص جسمك السعرات الحرارية من الطعام بما يكفي.

وثمّة بعض المشكلات الصحية التي يمكِن أن تؤثّر في مستويات بعض الإنزيمات الهضمية، مثل:

  • نقص السكراز-الإيزومالتاز الخلقي، الذي يمنع الأمعاء الدقيقة من إنتاج تلك الإنزيمات الضرورية لتكسير بعض السكريات.
  • قصور البنكرياس الإفرازي، الذي يحول بينه وبين إنتاج ما يكفي من إنزيمات هضم البروتين والكربوهيدرات والدهون.
  • عدم تحمّل اللاكتوز، الذي يعرقل الأمعاء الدقيقة عن إنتاج ما يكفي من اللاكتاز، وهو إنزيم ضروري لهضم سكر اللبن؛ اللاكتوز.

4. طبيعة الوجبة التي تتناولها

إنّ ما تتألّف منه وجبتك يحدّد بدرجة كبيرة عدد السعرات الحرارية التي يمتصها جسمك، فقد قارنت دراسة منشورة عام 2019 في دورية استقلاب الخلايا "Cell Metabolism" بين تناول نظام غذائي مليء بأطعمة فائقة المعالجة كالوجبات الخفيفة المعبّأة والحبوب المُحلّاة والخبز المُكرّر، وآخر يتضمّن تناول الأطعمة غير المصنعة أو المعالَجة بدرجة بسيطة، مثل الفواكه والخضراوات واللحوم الخالية من الدهون والحبوب الكاملة.

وصُمِّم كل من النظامين الغذائيين بحيث يحتويان على نفس السعرات الحرارية والبروتين والكربوهيدرات والدهون والألياف والصوديوم.

وعندما تناول المشاركون الأطعمة فائقة المعالجة، حصلوا على 508 سعرات حرارية إضافية يوميًا، واكتسبوا نحو كيلوجرام واحد من الوزن في أسبوعين، بينما فقدوا نفس الكمية من الوزن عندما تحوّلوا إلى النظام الغذائي غير المُعالَج.

والفرق لم يكُن في ملصق السعرات الحرارية على الأطعمة، بل كان في طبيعة الطعام ذاته، وكيفية هضم الجسم له، ومدى شِبع المشاركين بعد الأكل.

هل يمكِن لمتلازمة القولون العصبي أن تؤثّر في استفادتك من السعرات؟

نعم، قد يقلّل القولون العصبي من الوقت المُستغرَق لمرور الطعام عبر جهازك الهضمي، ما قد يؤدي إلى زيادة الانقباضات التي تسرّع حركة الطعام، بحيث لا يتلامس مع سطح بطانة الأمعاء لفترةٍ كافية لامتصاص السعرات الحرارية.

كيف يؤثّر اختلاف امتصاص السعرات الحرارية في خطتك للتخسيس؟

إذًا ما دام هناك اختلاف في كمية السعرات الحرارية التي تصل إلى كل شخص رغم تناول الأطعمة ذاتها، فمن المهم أن تكون خطط إنقاص الوزن مبنية على ذلك أيضًا -إن أمكن- وليس فقط على عدد السعرات الحرارية.

ورغم الأرقام التي نراها على ملصقات الحقائق الغذائية، فأن يستهلك جسمك العدد المكتوب من السعرات الحرارية غير مضمون، لذا من باب أولى أن يكون الاعتماد على تقنيات أخرى تعِين على إنقاص الوزن وبناء علاقة ودية مع الطعام، كالأكل الحدسي مثلًا.

الأكل الحدسي.. افتح صفحة جديدة مع طعامك

الأكل الحدسي في جوهره يُركّز على رصْد علامات الجوع والشبع لديك، لتحديد ما تريد تناوله وكميته بدقّة، بهدف خلق علاقة سلام مع الطعام وليس التعامل معه على أنّه عدوك اللدود، وتتضمّن بعض مبادئه وفقًا للجمعية البريطانية للتغذية:

  • الاعتراف بإحساس الجوع واحترامه، وإدراك مستويات الجوع المختلفة والاستجابة لهذا الإحساس قبل أن يزعجك.
  • تخفيف القيود من عليك، لأنّ تقييد نوع معيّن من الطعام -وهو ما تطلبه بعض الحميات- يؤدي إلى رغبة شديدة في تناول هذا النوع والإفراط في تناوله، لذا وفّر لنفسك مساحة للأكل دون شعور بالذنب.
  • ابحث عن الرضا -وليس الشبع- في الأطعمة التي تتناولها، والتي تُشعِرك بالارتياح في جسمك.
  • تأكّد من إحساسك بالشبع، وحينها توقّف عن الأكل.

ولكن ينبغي استشارة اختصاصي التغذية قبل إجراء أي تغيير في نظامك الغذائي، كما يجب الحذر من اتّباع تلك الطريقة في حالة:

  • المعاناة من اضطراب الأكل أو التعافي منه.
  • التبايُن العصبي، مثل المعاناة من التوحّد أو اضطراب نقص الانتباه وفرط النشاط.
  • مشكلات طبية تؤثّر في تواصلك أو إحساسك بجسمك.

ختامًا، قد نتناول السعرات الحرارية نفسها، ولكن تختلف أجسامنا في التعامُل معها، لاختلاف الإنزيمات المتوافرة ربّما، أو لتفرّد ميكروبيوم أمعاء كل فردٍ عن غيره، وفي النهاية لا يصل إلينا قدر السعرات الحرارية الذي نراه في ملصقات الحقائق الغذائية، ولذا فقد يكون نهج الأكل الحدسي وسيلة لتجنّب حساب السعرات الحرارية، ولكن هذا لا يعني أن يفتح شهيتك على الطعام غير الصحي.












كاريكاتير

إستطلاعات الرأي