
اختيار وترجمة: سارة حامد حواسكانت أختي وأنا نكتب أيضًا. كان والدنا هو الكاتب الذي يدوِّنُ ما نقوله. كنا نبتكر القصص، وهو يكتبها على أوراقٍ مطويَّةٍ لتصبح أشبهَ بالكتب؛ وبعد أن ينتهي من الكتابة، كنَّا نرسم الرسوم التوضيحيَّة في المساحات الكبيرة التي تركها لنا.
لا أعتقد أن أيا من هذه الكتب ما زال موجودًا، لكنني أتذكَّر كيف كانت تبدو. أتذكَّر تلك السعادة الغامرة التي شعرت بها أثناء ابتكار الأشياء، وأتذكَّر ذلك الانغماس التَّام، حيث يختفي العالم من حولي.
كان ابتكار القصص، أو ابتكار أي شيءٍ على الإطلاق، يبدو لي النشاط الأكثر إثارة وبهجة يمكنني أن أتخيله، وكانت القصَّة، بطريقةٍ ما، تبدو أكثر أهمية من أي شيءٍ آخر في العالم، ربما لأنها كانت ثابتة وغير قابلة للتغيير، وأظن أن الناس يؤمنون بالله للسبب نفسه.
ليس لديَّ روتينٌ ثابتٌ أو جدولٌ مُنتظمٌ للكتابة. وجدت أن محاولة الالتزام بذلك تسبَّب لي الكثير من التَّوتُّر، لأن هناك أيامًا كثيرةً كنت أجلس فيها أمام الآلة الكاتبة وورقةٍ بيضاء من دون أن أكتب شيئًا. كانت تجربةً قاسيةً ومدمرةً. لذلك، أكتب فقط عندما تتكوَّن العبارات في ذهني، أُدوِّنها سريعًا، ثم بعد فترةٍ أعودُ إليها على الآلة الكاتبة. كما أنَّني لا أكتب خلال فترات التَّحول أو الانتقال.
ما يحدث لي غالبًا هو أن شيئًا ما يصل إلى نهايته، يكتملُ أو يُغلق، وبعدها أشعرُ بالفراغ، كأنني استنزفتُ كل ما لديَّ، وعليَّ الانتظار حتى تمتلئ "البئرُ'' من جديدٍ.
هذا ما أقوله لنفسي، لكنه لا يبدو كأنه انتظار هادئ أو مطمئن، بل يبدو كأنَّه شعورٌ بالخواء والخسارة، وربما نوع من الذُّعر. الشيءُ الذي ترغب بشدَّةٍ في فعله يصبح مستحيلًا. مررتُ بالكثير من هذه الفترات، وما يحدث عادةً، أو ما حدث في الماضي، هو أنه بعد عامٍ أو عامين، أو مهما طالت المدَّةُ، يظهر صوتٌ جديدٌ، وهو حقًا صوتٌ جديدٌ.
إنَّها طريقةٌ مختلفةٌ للتَّفكير في القصيدة أو كتابتها، نوعٌ جديدٌ من الُّلغة ومن الأسلوب الغامض إلى الكلام البسيط. فجأةً أسمعُ جملةً أو سطرًا، قد لا تُلاحظ هذا عندما أقرأُ بصوتٍ عالٍ لأن صوتي يميلُ إلى توحيدِ النَّغمة، لكنَّني أدرك أنني ألتقطُ رسالةً ما، طريقًا جديدًا، وأبدأ بتجربته، فهذا هو ما يغيرُ الأمور بالنسبةِ إليَّ، والأمرِ ليس أنَّني أتجاوزها بالعملِ عليها. لديَّ أصدقاء، شعراء عظماء، يبدو أنهم يتقنون الاستفادةِ من مُمارسةٍ يوميَّةٍ منتظمةٍ للكتابة، لكن هذا الأسلوب لا يُناسبني على الإطلاق.
منذ البداية، أصبحت الكتابة الشكل الأكثر صدقًا والأقل تعقيدًا للتواصل بالنسبةٍ إليَّ. يتذكَّر النَّاس المحادثات المهمة غالبًا بشكلٍ مختلفٍ. أمَّا الكلام، فيترك انطباعًا مُبالغًا ومُشوهًا بفعل الذَّاكرة، فمن المُستبعد أن يحتفظ شخصان سمعا التعليقات نفسها بذكرياتٍ متطابقةٍ تمامًا عمَّا قيل، وبالتأكيد، لن تُحفظ الكلمات نفسها في الذَّاكرة. بينما يُمكننا تذكُّر الكلمة المكتوبة تمامًا كما هي؛ فإذا لم تُكرر الجملة المكتوبة حرفيًّا وكلمة بكلمةٍ، فإنها لا تُعتبر تذكرًا، بل إعادة صياغة والنَّص المكتوب القائم يؤكد هذا. لا تتغير أو تتبدَّل أماكن الكلمات في النَّصِّ. يمكن النِّقاش حول المعنى، لكن الكلمات الفعليَّة تبقى صامدةً أمام النقاشِ والتحريفِ.
الأشياءُ التي كنتُ أكتبها باندفاعٍ شديدٍ لم تكن أفكارًا ثابتةً يُسقطها عقلي على الصَّفحة. ما كنت أعتبره "فكرًا" كان نوعًا من البحث، أشبه بمَهمَّةٍ، لكنها كانت صعبةٍ للغاية. لم تكن الكتابة هنا مجرَّد وسيلةٍ بلاغيَّةٍ أو تنفيسٍ عاطفيٍّ، الكتابة بالنسبةِ إليَّ عملية تحوُّل (أو على الأقلِّ هذا ما كنت أرغبُ أن تكونه). كنت أريدُ تحويل التجارب، التي كانت غالبًا خيبات أمل أو جراحًا إلى شكلٍ خارجيٍّ يمتاز بدقته وجماله، بحيث يفصلني عن تلك التجارب ويمنحها معنى جديدًا كأنَّها تتطهر.
كانت الحاجة مُستمرَّة إلى الكتابة بهذه الطَّريقة، لكن القدرة على الكتابة كانت تأتي وتذهب، وغالبًا ما كانت تختفي لسنواتٍ طويلةٍ من حياتي، ولم يكن بإمكاني فعل شيء حيال ذلك.
تبقى هناك علاقةٌ غريبةٌ مع القصائد التي كتبتها بالفعل، فعلى الرَّغم من أنها كُتبت بهدفِ خلق وجودي أو تأكيده، إلا أنها، بمجرد اكتمالها، لم تستمر في تحقيق ذلك. ما كانت توحي به عندما كنت أقرؤها لاحقًا، أنني كنت موجودة في وقتٍ ما، وكان لديَّ أفكارٌ، أو شيءٌ ما كان حيًّا ومحدَّدًا، أصبح الآن صامتًا أو مختفيًا.
وهكذا أصبحت القصائد نوعًا من التوبيخ، تذكيرًا ساخرًا بما لم يعد موجودًا.
كم يختلف كل هذا، في جوهره ونتيجته، عن الحياة الجسديَّة، ففي الأحداث الجسديَّة الكُبرى، سواء كانت لذَّةً جسديَّةً شديدةً أو ألمًا جسديًّا شديدًا، تختفي الذَّات تمامًا أو تضيع، وفي كلتا الحالتين، يكون ذلك فعلًا لا إراديًّا، على عكس الصِّراع من أجل أن تكون ومن أجل أن توجد، الذي يكمن في جوهر الحاجة إلى الكتابة.
*لويز جلوك (1943-2023) شاعرة أمريكية حائزة على جائزة نوبل في الآداب عام ٢٠٢٠
*اختيار وترجمة: سارة حامد حواس - من صفحة المترجمة على فيسبوك