
هايل علي المذابي- يطرح النظام المعرفي العالمي المعاصر ومستجداته التقنية سؤالاً جوهرياً يلامس العصب الحساس للتاريخ الفلسفي: هل استطاع الواقع الافتراضي، عبر أدوات التكنولوجيا ومواقع التواصل الاجتماعي، أن يحسم الجدل التاريخي المزمن بين الفلسفتين المادية والمثالية حول "الوعي والوجود" وأيهما يحدد الآخر؟ أم أن فعالية التكنولوجيا تؤسس اليوم لنظرية فلسفية جديدة تتجاوز هذا الثنائية الصلبة؟
تتجسد هذه الإشكالية بوضوح عندما ننظر إلى طبيعة النظام المعرفي العالمي المعاصر، الذي يتصف بأنه نظام ذو قطبين متداخلين: أحدهما اشتراكي والآخر رأسمالي. فإذا كان كارل ماركس يرى أن الاشتراكية يمكن اختصارها في جملة واحدة هي "تحطيم الخصوصية"، فإننا نرى هذا المبدأ متحقّقاً براديكالية في فضاءات السوشيال ميديا التي ألغت خصوصية الأفراد وجعلت حيواتهم مشاعاً كونياً. وفي الوقت ذاته، يتحرك هذا النظام وفق نظرية "اقتصاد المعرفة" التي تترجم مقولة ماركس الأخرى: "الإنسان أثمن رأسمال في الوجود". وعلى النقيض من ذلك، تتبدى الرأسمالية في أبهى صورها من خلال السلطة المركزية المطلقة للشركات الاحتكارية الكبرى التي تتحكم في فضاءات الإنترنت، ثم تعيد توزيعها على شكل "مركزيات صغرى" تحكم توجيه الأفراد. إن التكنولوجيا بهذا المعنى تجمع بين نقيضين يشبهان جدلية هيجل: المركزية واللامركزية في آن واحد.
ولفهم حجم الإضافة التي تقدمها التكنولوجيا، لا بد من العودة إلى الجذور المادية والمثالية التي صاغت وعي البشرية طويلاً، حيث يتلخص الموقف المادي الجدلي في مقولة كارل ماركس الشهيرة: "ليس وعي الناس هو الذي يحدد وجودهم، إنما وجودهم الاجتماعي هو الذي يحدد وعيهم". وقد عبر فريدريك إنجلز عن هذا المنحى الأيديولوجي بشكل أكثر تبسيطاً حين قال: "إن نمط تفكيرنا يختلف حسب وجودنا في قصر أو في كوخ". وبناءً على ذلك، فإن الأفكار والفلسفات (الأيديولوجيا) تُصاغ وفقاً لمصالح الطبقة الحاكمة ونمط الإنتاج؛ فأفلاطون وأرسطو -على سبيل المثال- شرعنا علاقة "السيد والعبد" وجعلاها قانوناً طبيعياً ومعقولاً لحرمان العبيد في أثينا من المشاركة السياسية حمايةً لامتيازات الأحرار المالكين لوسائل الإنتاج.
وفي الطرف المقابل، يقف إيمانويل كانط وجورج هيجل لتمثيل الموقف المثالي. فيرى هيجل أن الوعي (أو الفكرة المطلقة) هو الخالق الحقيقي للواقع، وأن الوعي هو ما يصنع البيئة المثقفة والواقع المثالي، وهو الشرط الأساسي لتحصيل وعي الأفراد. فالواقع ليس سوى المظهر الخارجي للفكر. وهو ما انتقده ماركس في كتابه "رأس المال" مؤكداً أن منهجه هو الضد المقابل لهيجل، لأن عالم الأفكار عنده ليس سوى "العالم المادي منقولاً إلى الذهن البشري ومترجماً فيه".
وتتمثل معضلة التأويل والتغيير في قول ماركس في أطروحته الشهيرة: "لقد اقتصر الفلاسفة، حتى الآن، على تأويل العالم بطرق متنوعة، لكن المهم هو تغييره". وهو ما علق عليه مارتن هايدجر بعمق حين أوضح أن تغيير العالم يفترض بالضرورة تغيير تأويلنا وتصورنا له أولاً، مستنتجاً أن ماركس نفسه استند إلى تأويل خاص جداً للعالم ليطالب بتغييره. ويحذر ماركس من خطورة غياب هذا الوعي بقوله: "إن عدم تسليح الجماهير بالوعي الطبقي لإدراك مصالحها الحقيقية سيجعلها معادية لمصالح طبقتها".
وعند إسقاط هذه الجدلية على واقع المجتمع العربي الراهن، نجد أنفسنا أمام بنية قهر واغتراب مركب، تحيل الفئات المحرومة إلى كائنات عاجزة عن مواجهة العصر. الإنسان هنا يعيش "حالة حصار" خانقة تضطره للانشغال بمجرد البقاء البيولوجي (الاستمرار)، حيث يفقد السيطرة على موارده ومصيره، وتتحول المؤسسات من أدوات لخدمته إلى كيانات متضخمة تستعمله لحسابها؛ وكأنها تصدق عليها العبارة المعكوسة: "إنها تتصرف وكأن الإنسان خُلق لعبادتها".
ويمكن تفكيك هذا الحصار والاضطراب من خلال تتبع مفاصل هذه البنية الممنهجة؛ إذ تقبع "بنية الاستلاب والأبوية" في رأس الهرم كجذر أساسي ومظلة كبرى تتفرع عنها ثلاثة مسارات قمعية تتكامل فيما بينها لتطويق الفرد وإخضاعه، فينطلق المسار الأول من سلطة الدولة، حيث يتشخصن النظام السياسي في صورة الحاكم الذي يتصرف مع البلاد والعباد كأنهم امتداد لملكيته الخاصة وذاته الشخصية، ملوّحاً بسوط السلطة فوق أي دساتير أو قوانين.
بينما يتجلى المسار الثاني في دور المؤسسة الدينية، التي تعمل كأداة لتخدير الوعي وتجميد الواقع عبر إغراق المؤمنين في ركام التقاليد الموروثة من عصور التخلف، وتسويغ القهر المعيش من خلال نقل الفكر الثقافي والاجتماعي من حيزه "النسبي" القابل للنقاش والتغيير، إلى مصاف "المطلق" المقدس الذي لا يجوز المساس به.
وفي الختام، يكتمل طوق الحصار عبر المسار الثالث الذي تمثله مؤسسات العمل؛ إذ تتحول بيئات الإنتاج إلى أدوات لاستلاب طاقة الفرد، من خلال سلب العامل والموظف نتاج إبداعه وحرمانه من الاكتفاء الذاتي، لتحيله في نهاية المطاف إلى مجرد ترس استهلاكي عاجز ينتج لمصلحة الآخرين على حساب ذاته وحريته.
وتتوج هذه المنظومة بـ"الأيديولوجية العائلية الهرمية" (الأبوية)؛ حيث يتسع دور الأب من الأسرة ليعمم على رب العمل، والأستاذ، ورجل الدين، والحاكم. يصبح الجميع "آباء" والمواطنون "أبناء"، مما يكرس التبعية ويلغي المواطنة والوعي النقدي. هذا الاستلاب يدفع الأفراد إما إلى الهروب نحو الماضي وإحلاله مكان المستقبل، أو الارتماء في حضن النزعة الاستهلاكية والتمسك بالتقاليد كـ "أفيون" طقسي خالٍ من المضمون.
وهنا تحديداً يتدخل "الواقع الافتراضي" البديل الذي وفرته التكنولوجيا ليمثل مخرجاً فلسفياً ونفسياً؛ إنه يقدم للأفراد فرصة ذهبية لإيجاد "وجود اجتماعي" جديد يعوضهم عن وعيهم المفقود والمقموع في الواقع الحقيقي.
إن الفضاء الرقمي يمثل التقاطع العبقري (التركيب الجدلي) بين المادية والمثالية، من حيث أن الجانب المادي (تحقيق الكوخ والقصر) يمثل هذا الواقع الافتراضي البديل "القصر" بمفهوم إنجلز؛ فعندما يعجز الفرد العربي عن امتلاك وعي حقيقي داخل "كوخه" الواقعي المليء بالحصار، يمنحه الفضاء الرقمي بيئة اجتماعية موازية (وجوداً اجتماعياً جديداً) تصوغ وعيه وتخرجه من عزلته، تماشياً مع الطرح المادي بأن الوجود يحدد الوعي.
أما الجانب المثالي (خلق البيئة من الفكرة)، فيتحقق حين يتقاطع الفضاء الرقمي مع الفلسفة المثالية (هيجلي/كانطي) في كونه يسمح للوعي الإنساني بإمكانية "خلق" واقع وتصميم بيئة مثالية من العدم (عبر الصورة، الأفاتار، والمنشور). هنا يصبح بإمكان الوعي أن يسبق الوجود المادي ويشكله، وتغدو البيئة الافتراضية انعكاساً مباشراً للفكرة والوعي الذاتي.
رغم ذلك فإن التكنولوجيا لم تحسم الصراع الفلسفي التقليدي لصالح طرف دون آخر، بل قامت بـ "تذويبهما" معاً في بوطقة واحدة فرضت تقاطعاً حتمياً بين المادة والفكرة. إلا أن هذا التداخل الرقمي يظل ناقصاً ومهدداً بالانحراف والوقوع في شرك اغتراب جديد (الاستلاب الخوارزمي) ما لم يجرِ الالتفات إلى مسألة حاسمة لم يتطرق إليها الماديون ولا المثاليون كفاية في سياق جدلية الواقع والوجود، ألا وهي: مسألة الأخلاق.
إن للأخلاق دوراً محورياً في تحديد نوع العالم الافتراضي الذي يصنعه الأفراد لأنفسهم؛ ففي غياب "الجسدانية" المادية خلف الشاشات، تصبح الأخلاق هي الحبل السري الوحيد الضامن لأصالة الوعي.
وبالأخلاق وحدها يمكن تحويل هذا الواقع الافتراضي البديل إلى بيئة حرة، ووعي حقيقي، وواقع مثالي محرر للإنسان العربي من حصاره المؤسساتي.
ودون الأخلاق يصبح الأمر سيان؛ إذ يتحول الفضاء الافتراضي إلى مجرد امتداد تكنولوجي لواقع القهر المعيش، ويغدو الوعي الرقمي مجرد "هذيان جماعي" مستلب وموجه بواسطة خوارزميات الرأسمالية المركزية، مما يكرس حصار الفرد واغترابه بدلاً من عتقه.