
مصطفى قشنني*
الكارثة هنا لا تحتاج إلى حبكة روائية، فهي تكتب نفسها بنَفَسٍ متقطّع على جدران مستشفيات مكتظة، تشمّ رائحة الموت قبل رائحة المطهر. هذه ليست أرضاً، بل هي كينونة سائلة، متحولة دوما بين حالات المادة: تراب يتحول إلى ركام، والركام إلى غبار، والغبار يختلط بدخان الأجساد المحترقة، فيصير ضباباً كثيفاً يحجب كل بصيص للرؤية. إنها «أسلوب غزة في إعلان جدارتها بالحياة»، كما قال محمود درويش، انفجارٌ دائم لا هو بالحياة التقليدية، ولا بالمنتحر اليائس، بل هو نبض عنيد ينبثق من تحت أنقاض المنطق ذاته.
هنا، يُعاد تعريف الزمن. الزمن الكافكاوي، كان قفصاً من الانتظار المجرّد، أما زمن غزة فهو مادة متفاعلة، «شيء آخر» كما وصفه الشاعر: «ليس عنصراً محايداً.. لا يأخذ الأطفال من الطفولة إلى الشيخوخة، ولكنه يجعلهم رجالاً في أول لقاء مع العدو». الطفولة لا تنتهي هنا، بل تُخطف، وتتحول إلى شيء آخر: إلى نظرة ثقيلة في عين صبي يحمل رغيف خبز، بينما يبحث عن أشلاء أسرته، إلى يد صغيرة تمسك بحجر أصبح امتداداً للروح. الزمن لا يمرّ، بل ينفجر، كل لحظة هي شظية من «الظهيرة المشتعلة» التي لا تنقضي، حيث الشمس ليست مصدر نور، بل شاهدة محايدة على حريق لا ينطفئ.
والجغرافيا نفسها تنقلب إلى كابوس مجسّد. ليست غزة «أجمل المدن»، وليس برتقالها الأجمل، ولكنها ـ بالضبط بسبب فقرها وشراستها ـ «تعادل تاريخ أمة». هي الجزيرة التي يرتطم بها البحر الهائج فلا يغرقها، بل ينكسر على صخر صمودها. شواطئها لم تعد حافة بين اليابسة والماء، بل صارت حافة بين الوجود والعدم. المنزل ليس مسكناً، بل هو هدف متحرك على شاشات طائرات لا تُرى، والملجأ ليس حصناً، بل هو قبر جماعي محتمَل. هذه المتاهة لا تحتاج إلى مينوتور، فجدرانها نفسها تتحرك لتسحق من في داخلها.
واللغة تعلن إفلاسها، أو تتحول إلى شيء أشبه بالصراخ الصامت. «ليس لغزة حنجرة.. مسام جلدها هي التي تتكلم عرقاً ودماً وحرائق». الخطاب يتلاشى، والبيان ينهار، ولا يبقى سوى لغة الجسد المقطوع: نظرة أمٍ تحفر في الأنقاض، قبضة شيخ ممسكة بمفتاح بيت زال عن الخريطة، دموع طفل تجف فجأة لأن الدمع أصبح رفاهية. لغة هنا لا تصف، بل تئن. إنها لغة ما قبل الكلام، أو ما بعده. اللغة التي يكتبها الجوع، والخوف، والرفض المتواصل.
في قلب هذه الذُروة من العبث، يولد المعنى الأشد قسوة وجمالاً. المقاومة هنا لا ترفع شعارات، «فغزة لا تتقن الخطابة». هي فعل يومي، بيولوجي تقريباً، كالتنفس. ليست خياراً أيديولوجياً بقدر ما هي ضرورة وجودية، «علاقتها بالجماهير هي علاقة الجلد بالعظم». الحياة ذاتها تصير شكلاً من أشكال التحدي: أن تزرع نبتة في أصيص على شرفة مهدَّمة، أن تغسل ثياب أطفالك بماء شحيح، أن تروي حكاية لجيل قد لا يعيش لسماع نهايتها. هذا هو جوهر «الدرس الوحشي»: تحويل البقاء إلى انتصار، وتحويل الموت ـ عندما يحين ـ من هزيمة إلى بيان.
ولكن أين يقف المتفرج، قارئ الأخبار في عالم لم يعد يحتمل الأخبار؟ إن نظرة غزة إليه عبر الشاشة، هي نظرة صادمة. «غزة لا تجيء إلينا، غزة لا تحررنا»، يحذر درويش. إنها «من مواليد النار ونحن من مواليد الانتظار والبكاء على الديار». هناك خطر دائم من تحويل المأساة إلى أسطورة، ومن ثم إلى شفقة، ومن ثم إلى نسيان. غزة الحقيقية ترفض أن تكون أسطورة، إنها «مدينة فقيرة صغيرة تقاوم». تحرر نفسها «من صفاتنا ولغتنا» قبل أن تتحرّر من غازيها. المشاهد، إذن، يُحاكم بصمته، أو بكلماته الرخيصة، أو بحيرته الفلسفية. يشعر بأنه يشاهد مسرحية لم يعد يفهم لغتها، بينما الدم المسفوح على خشبتها حقيقي بدرجة مؤلمة ومقزّزة.
وهكذا، تتحول غزة إلى مرآة سوداء للعصر. في تشظيها، انعكاس تشظي الإنسانية جمعاء. في حصارها، يكشف حصار الضمير العالمي. في انفجارها الدائم، تفضح صمتنا المطبق. إنها تجعل من كل مفاهيمنا المجردة ـ عن العدل والحق والكرامة الإنسانية ـ أسئلة ملحّة ومحرجة وملطّخة بالتراب والدم. هي المختبر القاسي الذي تُختبر فيه كل الفلسفات: حين تصمت الفلسفة الوجودية عن العبث، حين يتحول العبث إلى سياسة؟ حين تتوقف الجماليات عن الحديث عن القبح، حين يصبح القبح منظراً يومياً؟ إنها تطرح سؤالاً وحشياً وبسيطاً: ما معنى أن تكون إنساناً في عالم ينتظم لإثبات العكس؟
قد لا يبقى سوى هذه الصورة: طفل في حضن والده، كما وصف درويش طفل آخر: «يعشّش في حضن والده طائراً خائفاً / من جحيم السماء: احمني يا أبي / من الطيران إلى فوق!». إنه الخوف من السماء نفسها، من الفراغ الذي أضحى ممتلئاً بالموت. وهنا يكمن التناقض المهيب: الحياة تنبض في القبو تحت القصف، بينما السماء ـ رمز الأمل والاتساع ـ أصبحت مصدر الرعب. إنها قلب لكل المعادلات، وتدمير لكل اليقينيات الكونية.
غزة، بهذا المعنى، هي الوجه المكشوف والدامي لكابوس كافكا. هي المكان الذي لم يعد فيه المجاز مجازاً، بل صار جسماً ينزف. والموت لم يعد حدثاً وجودياً فردياً، بل صار بيئة معيشية جماعية. والأشباح لم تعد تخيلات، بل هم جيرانك وأهل بيتك. وفي هذه الأرض المحاصرة، يصبح السؤال الفلسفي الأخير ليس «ما معنى الحياة؟» بل «كيف تخلق معنى للحياة، عندما تكون أدوات الخلق الوحيدة الباقية لك هي الذاكرة، والألم، وإصرار لا منطقي على أن تشرق الشمس، حتى من بين شقوق الإسمنت المسلح؟». ربما تكون الإجابة في تلك الحياة العنيدة نفسها، في ذلك التحدي الصامت للأشباح التي ترفض أن تختفي، والتي تلوح لنا من قلب المتاهة، ليس كضحايا، بل كشهود أحياء على نهاية منطق، وبداية لغز إنساني أكثر عمقاً وعتمة.
*كاتب وباحث مغربي