
أنس الغوري*
أفكّرُ بكلِّ شيء،
أفكّرُ باللاشيء.
أفكّرُ بالأسئلةِ التي أجوبتُها يبصقُها القلبُ قبل العقل،
وأفكّرُ بالأسئلةِ التي أَنّى لها من أجوبة.
أفكّرُ بالأشياءِ التي لم ولن تمرَّ بالذهنِ البشريّ،
وأفكّرُ بما لا يستحقُّ التفكير.
أفكّرُ بكلِّ ما هو غيرُ موجودٍ وموجود،
وبما يضيقُ به جسدُ الأحرف.
أفكّرُ بما هو خلف الكلمات وأبعد من اللغات،
وبما هو تحت اللِّحاء وخلف القشور.
أفكّرُ بالجسد، ونظامِ أعضائه، وما بعد فنائه.
أفكّرُ في المخفيّ والظاهر، في غير المُعلَن والمُعلَن،
في غير المنطوق والمنطوق، بالرموز والإشارات.
أفكّرُ بكلّ الظواهر، غيرِ الطبيعيّة والطبيعيّة منها.
أفكّرُ بمعنى اللامعنى والمعنى،
وبشراسةِ الشرّ ووداعةِ الخير.
أفكّرُ بالمحبّة التي قيل عنها إنّها "لن تسقط".
أفكّرُ بمفاهيم الحرّيّة التي لم تُذكَر بعد،
وحرّيّةِ الضمير أكثر.
أفكّرُ بشرطيّة الألم في الوجود،
التي لا بدّ لها أن تُحوِّل الإنسانَ
إمّا إلى وحشٍ
أو إلى متصوّف.
أفكّرُ بالذّات الإنسانيّة وجمعها،
التي أرفضُ أن أصدّق العلمَ بها
ــ لعجزه وقصوره عن إرضائي ــ
وأفكّرُ بضمورِ أهِلّةِ الأذرع
عند الحاجةِ إلى العناق.
أفكّرُ باللغز الأبديّ: الإنسان،
في حلقات الزمان الثلاث:
الماضي، والحاضر، والمستقبل.
أفكّرُ بالقليل…
القليلِ الذي أعرفه،
وبالكثير…
الكثيرِ الذي أجهله.
أفكّرُ بألّا أفكّر،
بيدَ أنّني لا أستطيعُ
إلّا أن أفكّر.
سأظلُّ أفكّر
إلى أن يتقاعدَ العقلُ،
ــ العقلُ الذي لن أقفَ معه
سوى في القلب أبدَ العمر ــ
ويُكافَأ بالجنون؛
الجنونِ الذي قال عنه
أحدُ أطبّائي
إنّه عنّي ليس ببعيد.
فيَّ كلُّ ما هو غيرُ مُؤتَلِف،
ومن امتزاجِ الأضدادِ تشكَّلت.
هكذا أنا،
أنا الذي أجهلني.
* شاعر سوري.