
شفيق الإدريسي*
ترتفعُ الهضبةُ…
خطوةٌ فوق صمتِ الأرض،
ومدىً يشيخُ على كتفِ البحر،
نسيمٌ يمرُّ خارجَ الوقت
ويتركُ على الصخور
وشماً من الضوء…
المقبرةُ هناك،
تنامُ على حافةِ الريح،
تحرسُها أشجارُ الزيتون
تسهو في ظلِّ الغيوم،
وتُصغي
إلى أجنحةٍ تلمع
خلفَ زرقةِ المدى…
أمشي نحو الدغاليين،
لا أسمعُ سوى نبضِ التراب،
يحملني الطريقُ الرمليُّ
ويعلّمني
أن الأرواحَ
ترى أبعدَ مما يرى الجسد…
وكلَّ صباحٍ
أصعدُ الهضبةَ ذاتَها،
أزورُ المقبرةَ
وأتنفّسُ ريحَ الفجر،
كأنّي أجرّبُ
طمأنينةَ المكان،
وكأنّ شيئاً في داخلي
يهمسُ لي
أن يكونَ قبري هنا،
حيث ينهضُ البحرُ
وتتّسعُ السماء…
على العلوّ،
يُطلّ البحرُ بصوته الأزرق،
وترتّب الطبيعةُ
قصيدتَها على الموج،
تحكي عن الأيامِ التي عبرت،
وعن حياةٍ
لا تزال تنبضُ
بين الأعشاب الصغيرة
والريح…
وترتفعُ الهضبةُ أكثر،
فترفعُ معها ذاكرتي
وتسندُ سماءً
أرهقها الحنين.
أُصغي لخطواتي
تتلاشى في الرمل،
كأن الطريقَ
يتعلّمُ الصمتَ منّي،
وأتعلّمُ منه
كيف تُفتحُ الأبوابُ
بلا مفاتيح…
بين القبور،
يمرُّ الهواءُ بخفّةِ زائرٍ
يعيدُ ترتيبَ العشب
فوق أسماءٍ
لم يعد ينطقُها أحد…
أرى البحر
يقتربُ حين أحدّق،
ويبتعدُ حين أرمش،
كأنّه يعرفُ
أن المشهدَ أكبرُ
من أن يُحمَلَ بعينٍ واحدة.
وأشجارُ الزيتون
تمدّ ظلّها
كأذرعٍ تُصافح الراحلين،
وتحرسُ السكون
من هدأةِ الريح.
هناك،
حيث يتّسعُ الأفق
ويتقلّصُ الوقت،
أفهمُ أن الموتَ
ليس نهايةً،
بل مقعدٌ مرتفعٌ
نطلُّ منه على الحياة.
وأمشي…
والهضبةُ تهمسُ لي
بصوتٍ باهتٍ،
أن كلَّ خطوةٍ
نحو المقبرة
هي خطوةٌ
نحو فهم الأشياء
على حقيقتها…
وأمضي،
كأنني أتركُ وراء ظهري
ظلالاً قديمة،
وأحملُ معي
ضوءَ المكان
الذي يشبه صلاةً
لا تُقال،
وتبقى…
وحيدةً،
لكنّها تُنيرُ الطريق
*شاعر مغربي