بزُو … بَاؤُهَا التِي لَمْ تَعُدْ بَيْتاً

2025-12-17

صالح لبريني*

 

(1)
لقد حمَلوا حقائبهم وذابوا في حيرتهم
تُطوقهم زفراتُ الشجر الذابل
البُيوتُ تتْلو ظلال مَنْ سكَنُوا
ومَنْ تركوا حنينَهم كمَا يتركون نظراتِهم
على شَراجِم الذكرى
الجبالُ تحرس حشود الفراغ
تتلوى تحت وقْع الغبار
تتلظى بحُمى الزقوم
وتنام على سرير من ضجَر
على أرائك من حجر
وعلى خراب يندب حظ الأمكنة


(2)


هُمْ هكذا
تضمحل خطواتُهم في الطريق
تغيبُ ظلالُهم في الأدغال
يعوي في عيونهم الصمت
تتكدس الأزمنة جريحة على أبوابهم
وتتسلق دِمَاهُم وُجُوهٌ غائرة
أيادٍ تُزهر بِثلْج الأيام
طُيُورٌ تحدق في ديارٍ تُخَبئُ الموتى
أحلاما تنحدر على الربى كليلة
مات الفجر قديما
لمْ تعُد السلالة تملك مفاتيح المنحدرات
لمْ يعُد الماء محرجاً أمام رمل القبيلة
لمْ تعُد باؤُها بيتاً
ولا زَايُهَا زينةَ الصبايا
وَقَدِ اعتل وَاوُها
وغدتِ اسماً مُستعاراً
وجهاً آخر وبلاداً أُخرى
أنا الغريب صرتُ
أقرأ مخالبهم العمياء في شفاههم
وهم ينثرون على الهضبات وجع الفصول
وبعْضَ ما تبقى من مَجْدٍ قديم
أراهُمْ يربون الحروب ويبتكرون المكائدَ والليل
ينحدرون نحو عزلتهم وهُم يمضغون خيباتهم
ينتبذون البارحة ولا يخجلون!


(3)


ها أنْت أيها الغريب
تحمل حنينَك في معطفك
يُتمَك الأخيرَ في جيب الحياة
ذكرياتك الثكلى
طيفَك الذي يجْرحه النحيب
والقبائل التي يذْبحها النعيب
تنْحدر نحو البراري التي تشيعها مناديل تزفر بملح الخدود
يأخذُك الحنينُ إلى حانة صدئة لترميم فوزك الخاسر
يأتيكَ طيْفُ خِلانك ثملاً بالفقْد
تترنح بيْنك وبينهم غِلالٌ لا يُدركها العابر
عسلٌ مهربٌ في قِلال الغُرباء
قوافل الزبيب المضاءة بأسماء الدوالي
ارتجاف الأجساد في حضرة الرؤى
وتبتلات الدراويش
تتذكر الفجْرَ الوارفَ بأنْفاس النخل
الأبوابَ الشاهدةَ على حُروب الثأر
المفاتيحَ الحالمة َبالعوْدة إلى الديار
الوجوهَ التي أكلَتْها التجاعيد ونبذَها جذلُ العصافير
التي تتعطر بِمَطر الصباح
شغفَ اللقالق وهي تتلاشى خلْف السحب
عودةَ المناجل مُضرجة بِخُبز السنابل
الْقُطعانَ المُكتظة بِهُدْنة السفوح
تتسلقُ أنفاسَك المترعةَ بروائح الأسلاف
هُنا
كانَ التاريخ يُدَحْرجُ هَديرَ الجِبال
يَجْلدُ الْقريةَ بِسوْط الذئاب
ينْحَر الحُلم في عُيون الرجال
ويوسع رحابة المقابِر والرمال
وكان المدى ليلٌ طويل
وجرحٌ ثقيل
وكتابٌ ينْزف رُعبَ الأبدية


(4)


اخلع حنينَك
وامش عاريا من خطواتك
واحمل ذبالة القنديل
لا الصباح في البلاد
لا الغيم ينال حظه من البحر
لا الشمس تأتي كما تريد
لا النهر يبزغ من خلف الأطواد
لا الفجر يسيل على صمت الوهاد
فأنت وحدك لن تضيء
أفقاً يئن تحت ثقل الموتى!


(5)


وأنت تقف حائرا في الصمت
يتداعى في الرأس قطار الوقت
تكبر القُرى إسمنتاً
يتسع الفراغ الهائل أشواكاً
وتنمو على الجدران ظهورٌ
تَنْهَشُ الذكريات
تُربي غُبارَ المفازات
وهباء الفصول!


*شاعر من المغرب












كاريكاتير

إستطلاعات الرأي