في رواية “طبّاخ إنغمار برغمان”: لم يعد مهاجر يسأل لماذا جئت إلى هنا!

2025-12-17

حسن داوود*


لدى يحيى أكثر من حكاية واحدة يبدأ بها تعريفه بنفسه. فهو أولا صار مشوّه الرأس من لحظة سقوطه من يد القابلة التي أولدته، حسبما أُخبر، ثم في زمن آخر من ماضيه، شهد موت أمه، فيما كانت العائلة تغادر بلدها على متن قارب يقوده مهرّب صومالي إلى أوروبا. ثم عيشه مع أبيه المُقعد المتذكّر ماضيه أيام كان مذيعا ذا صوت رخيم، يستعيده طيلة النهارات على كاسيتات مسجّلة يظل يسمعها. ثم في وقت آخر، وهو الحدّ الزمني الفاصل بين ماضيه وحاضره، يقف يحيى على خطّ القطار، مقرّرا الانتحار، الذي كاد يتحقّق، لولا أن قامت كريستينا، سائقة القطار، بتحرّك شبيه بما تنقله السينما، لإنقاذه، ولقضاء الأمسية معه، تاركة القطار يتدبّر أمره بنفسه.
هي بداية تلاحقت فيها أحداث، كان كل منها قابلا لأن يكون عقدة رواية، لكن هنا آثر الروائي والسينمائي فجر يعقوب أن يجمع كل البدايات الممكنة في بداية واحدة، مزوّدا بطله يحيى بمآس عدة وليس بمأساة واحدة. كانت الأقسى عليه، من بين ما حمله في نفسه، مسألة التشوه في رأسه، وقد جعلته دائم التحسّس لموضعه. ولا سبيل له إلا محاولة إخفاء ذاك التشوّه بالتواطؤ مع الحلّاق المغربي البوعناني، الذي كان يحيى يرشوه كي لا يكشف سرّه، سهل الانكشاف أصلا. كان ذلك التشوّه سببا في انعزاله عن الآخرين، ودفْعه من ثم إلى محاولة الإنتحار. لكن كان يلزم أن يحصل مشهد في قوة نجاته من صدمة القطار، لأن يقيم علاقة اليوم الواحد تلك مع كريستينا. وهي علاقة لم تكتمل بذهابهما معا إلى منزل أو إلى فندق، إذ لم يلبث أن ضيّع أحدهما الآخر لزمن طال مستغرقا سبع سنوات.
ولم تضيّق المآسي الكثيرة المساحة الخارجية للرواية، فإلى جانب المآسي التي آلمته وما زالت تؤلمه، هناك مجتمعات كاملة وشخصيات كثيرة أحضرت في الرواية. أول الشخصيات هو السيّد الجليل إينغمار كامبرد صاحب مؤسسة إكيا العملاقة، تلك التي أتاحت تملّك أثاثات رخيصة وجميلة للبيوت، والمخرج السويدي الفذ إنغمار برغمان الذي لاحقته مصلحة الضرائب، حتى آخر حياته، وكذلك رفاق حانة السفارة الإيرلندية التي تطلق عليهم الرواية صفات «قناصل وسفراء الدول التي هربوا منها قسرا».

ثم هناك النساء اللواتي مررن في حياة يحيى اللاحقة مثل لوسيانا السورية، وماهيتاب التي قدِم أهلها هاربين من أفغانستان، وتمارا التي هي ابنة مهندس بترول مصري وأم إيطالية أنجباها في السويد. جميعهن مهاجرات أو من عائلات مهاجرة. وإذ نضيف إليهنّ دواغان تيرزيتش الصربي وبابا جان الذي «يحتقر المهاجرين رغم أنه واحد منهم»، تبدو السويد في صورة بابل أقوام قدِموا إليها من أنحاء الأرض.
ورغم ذلك لم تقدّم الرواية نفسها كرواية هجرة ومهاجرين، ذاك أنها تبدو، فيما ترويه عن تعايشهم وتنافرهم، كما لو أن عالمها المتكوّن منهم هو تكوّن طبيعي لاجتماع بشري. أعني أن فجر يعقوب لم يضع عنوانا يكون ثيمة لواحدة من مشكلات البشر مع هجرتهم، هذه التي بدأت مع روايات مثل «عصفور من الشرق» و»موسم الهجرة إلى الشمال»، كما مع روايات الهجرة الكثيرة التي تلتها. هنا، في رواية «طبّاخ إنغمار بيرغمان» نحن إزاء وصف العالم الحديث ومشكلاته، حيث لا يحدّد المكان الأصلي المسار الذي يرسم عيش البشر في مكان إقاماتهم الجديدة. لقد اكتملت هجنتهم، وتجاوز عيشهم المشكلات التي عانى منها سابقوهم. صار العالم ضفافا كثيرة، حيث لم يعد مقتصرا على ضفتي هنا وهناك. والزمن بات متقطّعا، لا شيء يبدأ لينتهي، كما في الروايات التي بقيت محتفظة بدراميتها. فيحيى، في هذا العالم الجديد، الذي لا ينتهي الشيء فيه مكملا ما وعد به، لن يكون لقاء يحيى بكريستينا مساويا لشعوره يوم التقاها، بل إنها، بعد سنوات الغياب السبع، صارت واحدة من البنات اللواتي قدمن للاشتراك بإعادة إحياء مسرحية «الآنسة جولي».
كما لم يشأ الكاتب أن يترك أحداثه الغريبة هناك، حيث كتبت، في مطلع الرواية. ذاك أنه سيتابعها ليعرف السبب في تشوّه رأسه، وما حفلت به سيرة أبيه، وفي ما دفع عمّته إلى تعذيب أمه، وبأيّ الطرق. ودائما كان ذلك يُتابَع بالغرابة التي بدأ بها وصفه. ولم يكن ذلك مفتعلا، رغم أن غير العادي عمل، بالبديهة، على إثارة التشككّ وعدم التصديق.
كما أن الرواية لم تسع إلى أن تكون أحداثها حاملة لرموز تستنبت منها، ولا أن تكون مآسيها مؤلمة. فدائما بقيَ ظلُّ السخرية حاضرا، ذاك الذي يتعلّق حتى بأكثر الأحداث فظاعة، تلك التي منها، على سبيل المثال، ما أحاق بأمه من عذاب، وما رافق انتحار أبيه من قلة انفعال في نفس ابنه يحيى.
كل شيء جديد ومفاجئ في رواية فجر يعقوب، وهي تبدو، من بدئها حتى صفحتها الأخيرة، كأنها تفسح لخيال روائي جديد.


*رواية فجر يعقوب «طبّاخ إنغمار برغمان» صدرت عن دار المتوسط في 237 صفحة- سنة 2025
*كاتب سوري

 












كاريكاتير

إستطلاعات الرأي