أجنحةٌ مهيضةٌ للرّقص

2025-12-13

اللوحة للرسام والفنان التشكيلي من النمساوي إيغون شيليسميرة بن عيسى*


كلّ شيء كان يبدو بخيرٍ…
الظّلامُ القاحلُ المتعثّرُ بالمطر،
السّائلُ الأمينوسيُّ اللّزج،
الأسِرّةُ الطبيّةُ المتلفّعةُ برائحة البيتادين،
صوتُ أمّي الذي يتحوَّل ـ كلّما بكيتُ ـ
إلى أشجارِ درّاقٍ
بينما أتفيّأُ أنا الحنان.
كلّ شيء كان يدفعني للسّقوط الحرّ
في حفرة الحياة.
ولدتُ في إحدى اللّيالي الباردة،
بعظامٍ طريّةٍ كالمارشميلّو،
وسرّةٍ ناتئة،
بأنامل دقيقةٍ كنواةِ البلح،
ورأسٍ هشٍّ كالإسفنج.
حصلتُ على اسمٍ مثيرٍ، يقطر بالموسيقى
كصنبورٍ مهترئ،
لذلك كانت أمّي تناديني:
«غِناء...»
لم أكن نائمةً تمامًا، ولا مستيقظةً تمامًا؛
كلّ شيء في مجرّة الأحلام كان يلمَعُ
بشراسةِ نجومٍ برّية،
يغري بافتراس الحقيقة،
يلفحني بحرارة الدّهشة،
فأختلسُ النّظر...
بعد وفاة والدي،
أصبح أخي الذّكر الوحيد
الذي يحكم الوهْد
بسياطِه وجيادِه.
كانت رائحةُ الكتبِ المنبعثة
من مئزري المدرسيّ
تربك ذكورتَه،
لذلك أمر برميي أسفل الجبّ:
لا رائحةٌ تنبعث من مئزري،
ولا حبر يسيل من أصابعي
بكتْ أمّي عليَّ طويلًا
حتّى ابيضّتْ عيناها،
وكلّما نزلتْ دمعةٌ نبتتْ لي ريشة!
وهكذا حاكتْ لي بدموعها أجنحة،
ثمّ شدّتني بخيطٍ وقالت:

ــ طيري على ارتفاعٍ منخفض...
وبعد وفاتها،
انفلت الخيط من بين أناملها،
فحلّقتُ عاليًا كطائرةٍ ورقيّة
تلقمُ خبزها أفواهَ العصافيرِ
الجائعةِ للأفق.
لم أكن يومًا مجرّد احتمال
يمكن التنبّؤ به.
عشتُ حياتي كلّها كحجرِ نرد:
مكتظّة بالأوجه،
والاحتمالات،
والراحلين...
أحيانًا كثيرة كنتُ أحسّ أنّني
غابة صنوبر وارفةُ الحزن،
وأحيانًا ندفة ثلج باردة فوق
عشبٍ رطب،
وأحيانًا تَلّةٌ رابضة تحت
ضوء القمر،
وأحيانًا ذئبةٌ جائعةٌ
في أغاني الرعاة،
وأحيانًا زنبقةٌ ببتلاتٍ حمراءَ
ناعمة،
وأحيانًا نملةٌ تخشى أقدام
الجند،
وأحيانًا خوذةٌ صدئةٌ لجثّةٍ
طريّة...
وفي الحقيقة،
لم أكن سوى فراشة ضئيلة
تطير بمرونة راقصةِ باليه،
في دوائر الفراغ،
وبحركاتٍ عشوائيّةٍ
تتّقي الخيوطَ الحريريةَ المعقّدة،
غير مباليةٍ بحيل العناكبِ الماكرة.
تبتكرُ الكثير من الزّهر
في بساتين الأمل،
تحرّك جناحين شفّافين
كالبراءة،
ترهف السّمع لمناغاة الرّحيق
والعبق،
تقترفُ المحبّةَ بكلِّ أناقة
الأربعين.
تسرفُ في ارتشاف الشغف،
مستعدّةٌ تمامًا لطقسٍ غائمٍ
من العبث،
لطقطقةِ أصابع الرّيح الملولة،
لتثاؤبِ المساءاتِ الدافئةِ
كالطّفولة،
لنومها المبكّرِ… العميق.
لألسنةِ الصّباحاتِ تلعقُ أصابع الأطفال
الملطّخة بكريما الضّحك،
لأفواهِ الشراشفِ تلتهمُ الأحلامَ
بشراهةِ دودةِ قزّ،
لمناكب الليلِ العريضة
حين ينفض ريشَه الأسودَ المبلّل
بدموع النّساء،
لمشاكسة الكحل المراهق
في المراود،
لكهولةِ الكواكب
في خصر الأمهات،
لانكماش الجلود
على النهود المتدلّية،
لأكون نضرة كبرتقالةٍ وقعتْ للتو
على مرجٍ أخضر خصب،
وجافةً جدًّا كورقةٍ صفراء
على ناصية الخريف
مستعدّة تمامًا لأحمل ـ بمفردي ـ
آثامي الثقيلة على كتفي الهشّ،
لأرقّع فساتين الوهمِ الرثّة
ببراعةِ ربّات البيوت،
لاقتناء سنانير الكروشيه البرّاقة
وكرات الخيوط الصوفيّة الفاخرة،
أعقدُ غُرَز الحياة
الواحدة تلو الأخرى...
ثمّ أفكّها بلا هدف.
مستعدّةٌ للاختباء كلّ يوم
وراء مئزر المطبخ المعبّق
برائحة التَّوابل المحلّيّة،
لالتهام علب الوقت المحشوّة
بالدقائق المتراصّة كقطع
السردين المالحة،
لأزداد شراهةً وسمنة،
غير مباليةٍ باشتعال حطب الذكريات
في قفصي الصدريّ
الغاصّ برائحة الجنائز.
وكلّما نضج قلبي،
أطعمتُ أطفالي حبًّا طازجًا
بدون أن أصرخ
من شدّة الألم.


* شاعرة جزائرية.












كاريكاتير

إستطلاعات الرأي