
حاورته : هيفاء الحسن
تهيمن على الخطابات الاقتصادية والسياسية والعلمية في العالم اليوم نزعة النمو المستمر، التي تتجلى في السعي الحثيث إلى مزيد من الإنتاج والاستهلاك والابتكار والتوسع، حتى صار من الممكن القول إن هذه النزعة هي السمة المهيمنة التي تطبع عصرنا. غير أن السؤال الذي قلما يطرح هو: إلى أين يمكن أن يقودنا هذا النمو؟ وما هي النتائج المترتبة عليه؟ من هذا السؤال تحديداً ينطلق عالم الاجتماع الألماني إيمانويل دويتشمان في كتابه الجديد «المجتمع الأُسّي»، ليقدم قراءة جذرية للمجتمع المعاصر، متبعاً منهجاً هندسياً في علم الاجتماع يوظف الأدوات الرياضية لتحليل الظواهر الاجتماعية.
تقوم أطروحة دويتشمان على أن التطورات في العديد من المجالات التي تبدو متباعدة ظاهرياً، مثل المناخ والرقمنة والهجرة والاقتصاد والصحة، تتبع في الواقع أنماط نمو أُسية متشابهة؛ أي نمو يزيد بنسبة ثابتة، بخلاف النمو الخطي الذي يزيد بمقدار ثابت. وما يميز النمو الأُسّي، أنه يبدأ ببطء يكاد لا يلحظ، لكنه ما يلبث أن يتصاعد فجأة على نحو يصعب كبحه. من هذا المنطلق، يضع دويتشمان نظريته في حوار نقدي مع أبرز النظريات السوسيولوجية في العقود الأخيرة مثل «مجتمع المخاطر» لأورليش بيك و«مجتمع التسارع» لهرتموت روزا، ليؤكد أن جوهر عصرنا لا يكمن في التسارع، أو المخاطر التي لا يمكن التنبؤ بها، بل في تراكم المنحنيات الصاعدة التي تعيد تشكيل العالم على نحو لم نعهده من قبل. ويعيد دويتشمان تعريف الصراع السياسي المركزي في القرن الحادي والعشرين، بوصفه مواجهة بين قوى التوسّع اللامحدود التي تمثلها رموز الابتكار والاقتصاد الرأسمالي، وقوى التثبيت والاستدامة متمثلة في الحركات البيئية والاجتماعية. وهي مواجهة تكشف عن مفارقة سياسية لافتة، تنقلب فيها الأدوار التقليدية بين اليمين واليسار، إذ بات كل منهما يتبنّى خطاب الآخر الذي كان يعارضه في الماضي.
في هذا الحوار، يشرح دويتشمان ملامح «المجتمع الأُسّي» ويتحدث عن الدور المهم الذي تستطيع أن تؤديه الدول العربية في بناء عالم «ما بعد أُسّي» يضع حداً لهذا النمو قبل فوات الأوان.
■ تتحدث في كتابك عن «المجتمع الأُسّي»، الذي تتبع فيه التطورات المركزية في مجالات متنوعة، من المناخ والرقمنة وصولاً إلى الذكاء الاصطناعي، أنماطاً من النمو الأسي. ما الذي يميز هذا المجتمع على وجه الدقة؟ وكيف ترتبط هذه الديناميات الأسية بكل من الرأسمالية وأشكال المجتمعات السابقة؟
□ يتميّز المجتمع الأُسّي العالمي الذي نعيش فيه اليوم بأن العديد من المجالات الأساسية في المجتمع تتأثر بعدد كبير من اتجاهات النمو ذات الطابع الأسي. لقد درست في كتابي أكثر من ثمانين اتجاهاً من هذا النوع استناداً إلى بيانات تجريبية. وقد بلغت كثير من هذه الاتجاهات درجة من الحدة أدت إلى نشوء مشكلات متعددة مثل أزمة المناخ، وتدهور البيئة، وتعرض الصحة العامة للخطر، والضغط على أنظمة الرعاية الاجتماعية، وتفاقم اللامساواة الاجتماعية. وفي كل الأحوال، تُغيّر هذه التطورات المجتمع، وتحدد ملامح الحاضر، وتطرح سؤالاً جوهرياً حول كيفية المضي قدماً. كما أن النقاشات والجدل العام حول سبل التعامل مع الصعوبات الناجمة عن الأُسّية يشكلان بدورهما جزءاً من تشخيص «المجتمع الأُسّي»، وإضافة إلى ذلك، فإن كثيراً من هذه الاتجاهات متشابكة ومترابطة بشكل وثيق، بحيث تؤثر بعضها في بعض. كانت هناك في فترات سابقة أيضاً اتجاهات أسية، لكنها كانت في الغالب محصورة في مجال واحد ومحدودة جغرافياً، من الأمثلة على ذلك طاعون لندن العظيم سنة 1665، حين انتشر الوباء انتشاراً أُسياً وأودى بحياة 20 في المئة من سكان المدينة. كان ذلك حدثاً مأساوياً شكّل ملامح المجتمع، لكنه انحصر في مجال الصحة وفي نطاق جغرافي يتركز في جنوب إنكلترا. أما اليوم، فإلى جانب الأخطار الأُسية في مجال الصحة مثل كورونا وإنفلونزا الطيور، نواجه عدداً كبيراً من المجالات الأخرى المتأثرة بالأُسّية في الوقت نفسه: الاقتصاد العالمي، استهلاك الطاقة والمواد، تراكم الغازات الدفيئة، التلوث البلاستيكي، انقراض الأنواع، قوة الحوسبة، فيضان البيانات، تطور الذكاء الاصطناعي، عدد الرحلات الجوية، واللامساواة في الدخل والثروة على سبيل المثال لا الحصر. وكثير من هذه الاتجاهات الأُسية في النمو تُحدث اختلالات ومشكلات تتطلب مواجهة جماعية. إن ما يجعل الوضع الراهن فريداً هو أن العديد من المجالات المجتمعية تعاني من النمو الأُسي في آن واحد، وأن لذلك آثاراً عالمية. فلا أحد على هذا الكوكب يستطيع أن يفلت من عواقبها تماماً حتى الأغنياء جداً، مهما حلموا بالتحصن في الملاجئ أو الهروب إلى المريخ.
إن النزعة الرأسمالية نحو النمو، تمثل محركاً أساسياً لهذا المجتمع الأُسّي، لكنها ليست المحرك الوحيد. فهناك آليات ذاتية التعزيز ذات طابع أُسي لا يمكن اختزالها ببساطة إلى تراكم رأس المال. من الأمثلة على ذلك الابتكارات التكنولوجية الجديدة التي تزداد احتمالات ظهورها كلما توفر قدر أكبر من المعرفة، أو العدوى الفيروسية التي تنتشر بسهولة أكبر، كلما توسع انتشارها سابقاً. وهكذا، لا يواجه المجتمع الأُسّي اليوم فقط تحدي كبح الجوانب المدمرة للرأسمالية، بل يواجه أيضاً مهام أخرى تتعلق بتثبيت النمو. تاريخياً، كانت معدلات النمو في بدايات التصنيع في الاقتصاد وعدد السكان مثلاً ترتفع بشدة أولاً، بينما في النمو الأُسي تكون معدلات النمو ثابتة، أي إن الرأسمالية كانت موجودة آنذاك بالفعل، لكن «المجتمع الأُسّي» لم يكن قد نشأ بعد.
■ تضع نظريتك في سياق واحد مع تشخيصات اجتماعية معروفة مثل «مجتمع المخاطر» لأُولريش بيك، و«مجتمع التسارع» لهرتموت روزا، و«مجتمع التفرّد» لأندرياس ركفيتز. فبماذا يتميز منهجك عن هذه النماذج المؤثرة؟
□ ركز أولريش بيك في كتابه «مجتمع المخاطر» على المخاطر غير القابلة للحساب، واصفاً إياها بأنها «غير متوقعة وغير قابلة للتنبؤ». وقد كان يقصد بذلك حوادث مثل الكوارث والحروب النووية، أو خطر الإصابة بالسرطان بسبب المواد الكيميائية. وجاءت كارثة تشرنوبيل، التي وقعت قبل فترة وجيزة من صدور كتابه، لتؤكد أطروحته بشكل مأساوي. ولا شك أن مثل هذه المخاطر غير المتوقعة ما تزال تثير قلقنا اليوم أيضاً، لكن هناك فرقاً جوهرياً بين تشخيصه وتشخيصي: فمخاطر «المجتمع الأُسّي» يمكن حسابها والتنبؤ بها بدقة. وذلك لأن معدلات النمو في العمليات الأسية ثابتة، ما يتيح التنبؤ بالاتجاهات المستقبلية بوضوح، إذا استمر الاتجاه الأسي في التصاعد بالوتيرة نفسها. ولهذا السبب، كان بالإمكان منذ سبعينيات القرن الماضي توقع كيف ستتطور الزيادة الأسية في تراكم الغازات الدفيئة في الغلاف الجوي حتى عام 2000، وما ستؤول إليه آثارها المناخية إن لم يُتخذ مسار بديل. أسمي ذلك «القابلية الجديدة للحساب». أما حقيقة أن تلك التحذيرات قد تم تجاهلها إلى حد كبير، أو حتى التعتيم عليها مجتمعياً، فذلك أمر آخر.
يؤكد هرتموت روزا في تشخيصه للمجتمع الحديث أن الحداثة تتسم بتسارع دائم في إيقاع الحياة، وهو ما نختبره يومياً في شتى مجالات حياتنا. وفي ذلك نقطة اختلاف أساسية مع رؤيتي، إذ إن النمو الأُسيّ، يتميز بمعدل نمو ثابت، أي إنه لا ينطوي على تسارع بالمعنى الدقيق. لكن المفارقة أن المنحنى الأسي، رغم ثبات المعدل، يتصاعد بحدة متزايدة. هذا التضخم الكمي سواء أكان في انبعاثات ثاني أكسيد الكربون، أو قوة الحوسبة، أو أعداد الإصابات بكورونا، هي التي تُشكل في نظري السمة الأهم للمجتمع المعاصر. إذن نحن لا نعيش تسارعاً في الإيقاع، بل تكثيفاً في المقياس. أي زيادة في الكتلة أو الكمية، وليس تبدلاً في السرعة، وفضلاً عن ذلك، تتقدم بعض الاتجاهات الأُسية، لاسيما تلك المرتبطة بالمناخ ببطء شديد جعلها لوقت طويل غير مرئية، وهذا ما جعلها أشد خطورة. وفي المقابل، يسود لدى الكثير من التقدميين شعور بأن التغيير المجتمعي يتم بوتيرة بطيئة، وأن العقود الماضية اتسمت بالجمود، لذلك، لا يمكن الحديث عن حالة نشوة تسارعية عامة.
أما أندرياس ركفيتز، فيرى في كتابه «مجتمع التفرد» أن كثيراً من الناس، خصوصاً من الطبقة الوسطى الغربية، يسعون اليوم إلى التميّز والتفردية، وأن منطق العمومية قد تراجع أمام منطق التفرد. وهو يصف المتفرد بأنه «غير قابل للاستبدال أو المقارنة». وفي المقابل، أجادل بأن المنحنيات الصاعدة في المجتمع الأُسّي تُعبر بالضبط عن تضخم لما هو متكرر ومتشابه وقابل للاستبدال، حتى يصبح هو العنصر المهيمن في عالمنا المعاصر. فكثير من هذه الظواهر المتصاعدة أسياً ـ مثل جزيئات ثاني أكسيد الكربون أو الجسيمات الفيروسيةـ ليست قابلة للاستبدال فحسب، بل متطابقة إلى حد يتعذر التمييز بينها أحياناً. ومع ذلك، يمكن التوفيق بين التشخيصين، إذا افترضنا أن الأفراد يسعون على المستوى الشخصي إلى التفرد والتميز، بينما يؤدي سلوكهم الجماعي في النهاية إلى تراكم المتشابه والمتكرر.
■ تعمل في كتابك بوضوح على نحوٍ بين – تخصصي، إذ تدمج التحليل السوسيولوجي بالرياضيات والعلوم الطبيعية والتقنية. ما الذي دفعك إلى إدخال النماذج الرياضية في علم الاجتماع؟ وهل تعتقد أن هذا النهج سيشكل مستقبل علم الاجتماع؟
□ يعد علم الاجتماع مجالاً واسعاً ومتنوعاً يضم مقاربات منهجية مختلفة، وينبغي أن يظل كذلك في المستقبل أيضاً. لكنني أحاول من خلال عملي أن أبين كيف أن النظر إلى المجتمع من خلال أشكال هندسية، يمكن التعبير عنها بصيغ رياضية، أن يكشف عن تشابهات وأنماط مشتركة بين مجالات موضوعية مختلفة كانت لتبقى غير مرئية لولا هذا المنظور. وأرى أن الكشف عن هذه الأنماط الكامنة هو المكسب الأساسي لما أسميه «علم الاجتماع الهندسي»، وهو الاسم الذي أطلقه على منهجي. وفي عالمنا المعقد اليوم، أرى أنه من الضروري ألا نفكر داخل حدود التخصصات الجامدة، بل أن نتجاوزها باستمرار، وأن نبحث عن الإلهام في مجالات معرفية أخرى، إن هذا الانفتاح المعرفي، في نظري، يعد نهجاً مثمراً للغاية.
■ تذكر أن الصراع بين القوى التوسعية والقوى التثبيتية في القرن الحادي والعشرين ستكون له آثار اجتماعية أكبر بكثير من الصراعات التي نوقشت في الغالب، مثل الصراع بين الكوزموبوليتية والجماعاتية، أو الصراع الطبقي. كيف يتجلى هذا الصراع اليوم؟ وما المقصود بـ«مفارقة التقدّمية» التي تصفها في هذا السياق؟
□ أصف هذا الصراع بأنه مواجهة بين فريقين: الأول، هم أولئك الذين يرون في المزيد من النمو الطريق الصحيح نحو المستقبل، وغالباً ما يتجاهلون ما يرافقه من تداعيات بيئية وصحية واجتماعية. أما الفريق الثاني فيضم من يسعون إلى وضع حد لاتجاهات النمو الأُسّي الخطرة وتثبيتها عند مستويات مستدامة وآمنة. ويمكن تمثيل الجانب التوسعي بشخصية مثل إيلون ماسك، بسعيه المستمر نحو زيادة المبيعات، وإنتاج المزيد من السيارات والصواريخ، ودعوته إلى ضرورة زيادة عدد سكان العالم، وحلمه ببشرية كونية تتوسع في الفضاء وتواصل النمو إلى ما لا نهاية. وفي المقابل، تُمثّل غريتا تونبرغ، مؤسسة حركة Fridays for Futur، الاتجاه التثبيتي بوضوح. فهذا الاتجاه يركز على التعامل الجاد مع الميزانيات البيئية المتبقية، وعلى الوعي بالحدود البيئية لكوكب الأرض، وإدراك المخاطر الصحية ومشكلات اللامساواة الاجتماعية، إلى جانب السعي إلى تعايش مستدام وعادل على كوكب الأرض، انطلاقاً من القناعة بأنه «لا يوجد كوكب بديل». يخاض هذا الصراع اليوم بأساليب عنيفة بالفعل، إذ يُقتل في أنحاء العالم، في المتوسط، شخص واحد كل يومين بسبب نشاطه البيئي. ويكتسب هذا الصراع أهمية مركزية لأنه في ظل تفاقم أزمة المناخ، وسائر الأزمات البيئية الخطيرة، يحدد مصير الحياة البشرية وغير البشرية على هذا الكوكب. وقد أُعلن مؤخراً أن الحد السابع من بين الحدود البيئية التسعة التي تضمن استقرار كوكب الأرض قد تم تجاوزه بالفعل. وإن لم ننجح في كبح سلطة أمثال ماسك وغيرهم من رموز النزعة التوسعية، فستكون العواقب كارثية وستمتد إلى ما بعد هذا القرن.
أما «مفارقة التقدّمية» Progressivitätsparadox، فأقصد بها أن كثيراً من القوى اليسارية، التي كانت تقليدياً تدعو إلى التغيير الاجتماعي، أصبحت اليوم تميل إلى الانتماء إلى المعسكر التثبيتي، بينما يصر الكثير من المحافظين على مواصلة النمو، أي على تغيير متفجر ومستمر يهدد بإطاحة البنى القائمة. وبذلك تبدو الأدوار التقليدية هنا وكأنها قد انقلبت: اليسار يدعو إلى الاستقرار، بينما يدعو اليمين إلى التغيير. ومع ذلك، أحاول أن أبين أن عالماً مستقراً، تتاح فيه حياة كريمة ومستدامة لأكبر عدد ممكن من الكائنات الحية، يمكن أن يكون هدفاً مشتركاً حتى للمحافظين. ومن ثم، فإن الدعوة إلى تثبيت النمو يمكن أن تكون، من حيث المبدأ، مشروعاً قابلاً للحصول على تأييد واسع في الساحة السياسية.
■ تصف في كتابك مفهوم «القدرة التثبيتيّة» بوصفه قدرة المجتمع على احتواء التطورات الأُسية غير المنضبطة، وتثبيتها من خلال التوجيه الجماعي، من أجل استعادة الاستقرار، أو توليده مجدداً على نحو مستدام. لماذا تُعد هذه القدرة حاسمة في الوقت الحاضر؟
□ من دون تحقيق استقرار مجتمعي مُوجَّه ومقصود، لن يكون بالإمكان احتواء الاتجاهات الأسية الخطرة، وفي مقدمتها أزمة المناخ المتفاقمة، في الوقت المناسب، أي قبل أن تتجاوز الحدود البيئية التي تضمن توازن الأرض. صحيح أن النمو الأُسي ينتهي، عاجلاً أو آجلاً، بشكل طبيعي، لكن إذا لم يحدث ذلك عبر توجيه واعٍ ومتعمد، فإن مرحلة التثبيت اللاحقة قد تحدث عند مستويات كارثية لا تصلح للحياة على هذا الكوكب. فـ«التثبيت الطبيعي» للمناخ عند ارتفاع تسع أو خمس عشرة درجة مئوية لن يخدم أحداً. ولكي نتمكن من إيقاف الاتجاهات الأُسية الخطرة بسرعة، وفي الوقت المناسب، ولتحقيق توازن عند مستويات مرغوبة وآمنة ومستدامة، لا بد من بناء قدر كافٍ من «القدرة التثبيتية» Stabilisierungskapazität. ولتحقيق ذلك، يجب أن تتضافر ثلاثة عناصر رئيسية غالباً ما تُعامل، للأسف، على أنها متعارضة: أولاً، الفعل الفردي والمشاركة المجتمعية الواسعة. ثانياً، التنظيم السياسي والمؤسساتي، من خلال التشريعات والإطار القانوني الملزم. ثالثاً، الحلول العلمية والتكنولوجية، التي تدعم الاستقرار. ينبغي أن يتحقق التقدم في هذه المستويات الثلاثة بشكل متزامن وفي الاتجاه الصحيح. وفي أفضل الأحوال، يمكن أن ينشأ عن ذلك دور ذاتي للتعزيز المتبادل، حيث تؤدي هذه المستويات إلى تغذية إيجابية راجعة، وفي الوقت نفسه، إلى رقابة متبادلة، أي آلية الضوابط والتوازنات checks and balances. ومن الناحية النظرية، يمكن بهذه الطريقة بناء قدرة تثبيتية كبيرة خلال فترة زمنية قصيرة نسبياً، لأن الجهود الرامية إلى تثبيت النمو، يمكنها هي الأخرى أن تستفيد من ديناميات النمو الأُسي نفسها، ولكن في الاتجاه الإيجابي هذه المرة.
■ تُعتبر تقنيات مثل الذكاء الاصطناعي والرقمنة أمثلة على الديناميات الأسية في تحليلك. إلى أي مدى ترى في الابتكارات التكنولوجية تهديداً لاستقرار الأنظمة الاجتماعية؟ وهل يمكن، إذا استخدمت على نحو سليم، أن تكون هي نفسها جزءاً من الحل؟
□ كثيراً ما ترفض الحلول التقنية والعلمية بدعوى أنها تعبر عن نزعة «علموية» أو «حلولية تقنية»، وأعتقد أن هذا خطأ. صحيح أن التطورات التكنولوجية، مثل النمو الأسي الهائل في قدرات الذكاء الاصطناعي، تثير بالفعل مشكلات جديدة منها احتمال فقدان السيطرة البشرية، والأسئلة الأخلاقية والقانونية المتعلقة بما يجوز فعله وكيف يمكن منع التمييز أو إساءة الاستخدام. فليس كل ما هو ممكن تقنياً عقلانياً، أو مرغوباً بالضرورة. وغالباً ما يتعين التدخل التثبيتي في مسار التطورات التقنية نفسها. في المقابل، يمكن للتكنولوجيا أن تكون أداة حيوية لتحقيق مهام التثبيت والاستقرار في مجالات أخرى. فهي تتيح مثلاً مراقبة دقيقة لحالة الغلاف الجوي، أو الغابات، وتُسهم تقنيات الطاقة المتجددة في تقليل انبعاثات الكربون، كما تساعد اللقاحات والأقنعة في احتواء الأزمات الوبائية. غير أن الأهم هو استخدام هذه الوسائل محلياً وعالمياً على نحو متبصر وعادل. لكن الواقع حتى الآن يشير إلى وجود اختلالات كبيرة في هذا الصدد: فتُقدَّم اللقاحات مثلاً بدافع الربح بأسعار مرتفعة وبشكل متأخر لكثير من مناطق العالم، أو يُستخرج خشب البلسا اللازم لصناعة توربينات الرياح في أوروبا والصين من غابات الإكوادور بأساليب مدمرة تستنزف الغابات وتلحق ضرراً بالمجتمعات الأصلية هناك. لذلك، يجب أن يخضع نمو هذه التقنيات لمنطق تثبيتي واعٍ يراعي العدالة الاجتماعية، إذا كان لها أن تكون فعلاً جزءاً من الحل. فمصادر الطاقة المتجددة، على سبيل المثال، يجب أن تُنتج وتُستخدم بعدالة ووفق مبدأ الإحلال، أي أن تحل محل الوقود الأحفوري لا أن تضاف إليه؛ ولا يجوز أن تنمو هي نفسها بلا حدود، إذ إنها تستهلك موارد محدودة، وتشغل مساحات، ولها آثار جانبية بيئية واجتماعية. إن الموازنات الدقيقة لتقدير صافي الفائدة الفعلية لأي تكنولوجيا ليست أمراً هيناً على الإطلاق. ولا يمكن بلوغ هذا الهدف إلا من خلال المراقبة طويلة الأمد، والشفافية، والتقويم المستمر، والتدخل التصحيحي عند الحاجة.
■ يُوزّع النمو الأسي عالمياً على نحو غير متكافئ، إذ تتحمل العديد من مناطق الجنوب العالمي، ومن بينها العالم العربي، العبء الأكبر من الأزمات البيئية والاقتصادية، التي نتجت عن نموذج النمو السائد. فما الدور الذي يمكن أن تؤديه هذه المناطق في بناء مجتمع عالمي «ما بعد أُسّي»؟
□ من بين سبعة بلدان في العالم تعتمد اليوم على الطاقة المتجددة بنسبة 100%، لا ينتمي إلى الشمال العالمي سوى اثنين منها، هما آيسلندا وألبانيا، في حين تقع البلدان الخمسة الأخرى في الجنوب العالمي وهي بوتان، نيبال، باراغواي، إثيوبيا، وجمهورية الكونغو الديمقراطية. ويُبين ذلك أن الجنوب العالمي قادر على أداء دور ريادي في التحول الاجتماعي – البيئي، وذلك على الرغم من أن بعض هذه الدول تواجه تحديات أخرى، مثل ضعف البنية التحتية أو محدودية إيصال الكهرباء إلى جميع المنازل. لكن من خلال ما يعرف بـ«القفزة النوعية» Leapfrogging أي التجاوز المتعمد للمراحل الصناعية الملوثة والانتقال مباشرة إلى أنماط إنتاج نظيفة، يمكن لهذه الدول أن تتفادى الاختلالات التنموية، التي يتحمل الشمال العالمي المسؤولية التاريخية الكبرى عنها، وأن تساهم في تصحيح مسارها وتعويض تبعاتها. فكلما ازداد عدد بلدان الجنوب العالمي، التي تتبنى التكنولوجيا النظيفة، ازداد الضغط على غيرها للحاق بالركب. فقد حظرت إثيوبيا، على سبيل المثال، استيراد السيارات ذات محركات الاحتراق الداخلي، وبدأت بتجميع حافلات كهربائية محلياً في مدينة «ديبري برهان» باستخدام مكونات صينية. في المقابل، تأخرت الصناعة الألمانية طويلاً في التحوّل من الديزل ومشتقاته إلى المحركات الكهربائية، ما جعلها اليوم تفقد موقعها التنافسي في السوق العالمية. إنها إعادة توزيع جزئية للأدوار، تعيد خلط الأوراق إلى حد ما. وبالنسبة إلى بعض بلدان العالم العربي مثل، السعودية والإمارات والعراق والكويت، فإنها تؤدي دوراً محورياً في الانتقال نحو مجتمع عالمي «ما بعد أُسّي» إذ تعد من بين أكبر عشرة مصدرين للنفط في العالم. وقد أدركت كثير من هذه الدول بالفعل ضرورة التحول، إلا أنها ما تزال تتبع في الغالب استراتيجية مزدوجة: فمن جهة، تعمل على تنويع الاقتصاد ومصادر الدخل العام وتوسيع الاستثمار في الطاقة المتجددة، لكن من جهة أخرى، تواصل تصدير النفط والغاز بوتيرة عالية. وهنا، ينبغي أن يحل محل هذه الازدواجية منطق تثبيتي بديل، يقوم على الإحلال لا الإضافة. كما أن المسؤولية تقع على العالم بأسره: فليس العرض وحده هو الذي ينبغي أن ينخفض، بل الطلب العالمي على النفط والغاز أيضاً.