
حوار وترجمة: هايل علي المذابي - البروفيسور ستيف ديكسون، الذي ولد عام 1956 في مانشستر، إنجلترا. هو أحد أهم الباحثين في فلسفة "الحضور الرقمي"، بل هو الأب الروحي لدراسات الأداء الرقمي، ويبحث حالياً في كيفية انتقال "الهوية المسرحية" من الجسد المادي إلى الأفاتار.
وقبل سرد سيرة البرفيسور ستيف ديكسون يلزمنا التعريف بالميتافيرس والأفاتار، واستعين على ذلك بما قدمته عنهما في كتابي "ما بعد الحداثة التكنولوجية.. الميتافيرس أول برنامج يضع الكون داخل لعبة":
إن "الميتافيرس"، عبارة عن شبكة اجتماعية، وبيئة افتراضية ضخمة، قوامها محاكاة الواقع، والتمثيل للمستخدمين لهذه الشبكة من خلال "الصور الرمزية" التي تسمى بـالـ"أفاتار" التي توازي وجودهم الحقيقي في الواقع داخل هذه البيئة الافتراضية. وتتضمن هذه الشبكة مزيجاً من أربع تكنولوجيات رئيسية هي تكنولوجيا "تسجيل الحياة"، و"عالم المرآة"، و"الواقع الافتراضي" (VR)، و"الواقع المعزز" (AR)، بالإضافة إلى مجموعة أخرى من التقنيات الثانوية وهي الواقع المختلط (MR)، والواقع الممتد (XR)، وتقنية "البلوكتشين"، وتقنية الجيل الخامس (5G)، بالإضافة إلى البيئات ثلاثية الأبعاد (3D)، وتقنيات الذكاء الاصطناعي (AI)، ويتم التفاعل فيما بينها مع الواقع الحقيقي، وتزامنا مع الوقت الحقيقي، بشكل فعّال ومستمر، ويشترك فيه عدد غير محدود، من الأشخاص، حول العالم، وتوفر هذه البيئة (تجربة غامرة)، وانغماساً حقيقاً للمستخدمين، وإحساساً حقيقياً، وبتواصل حقيقي افتراضي، في بيئات مشابهة، تماماً، للبيئات في الواقع، كما تتم فيها، أنواع كثيرة من الممارسات في مجالات مختلفة، مثل التعليم، والاقتصاد، والإعلام والفنون. وفي كتابنا هذا سنقدم شرحا مفصلاً لكل هذه التكنولوجيات والتقنيات وكل ما له علاقة بالـ"ميتافيرس".
تعريف "الأفاتار" (الصورة الرمزية)
إن "الأفاتار" هو جزء من "الميتافيرس"، ومكون من مكوناته، وقد تم ابتكار مفهوم "الأفاتار"، من قبل "تشيب مورنينغستار" (Chip Morningstar)، و"جوزيف روميرو" (Joseph Romero)، وذلك عام 1985، عند قيامهم بتصميم لعبة (Habitat)، وهي لعبة متعددة اللاعبين، على شبكة الإنترنت.
و"الأفاتار" أو "الصورة الرمزية"، هو (تمثيل جرافيكي أو رسم لشخص حقيقي، غالباً ما يوجد في ملفات المستخدمين الشخصية للمنتديات، مثلاً، ومنصات التواصل الاجتماعي على الإنترنت، وفي خدمات الرسائل الفورية أو الدردشة أو الشبكات الاجتماعية، وتمثل هذه الرسومات الرمزية، شخصية مؤلف المدونة أو المدونات الصغيرة، بصورة ثنائية الأبعاد أو من الممكن أن تكون شكلاً ثلاثي الأبعاد، يحتل مكاناً في العالم الافتراضي، مثل تطبيق Second Life "الحياة الثانية".
من أين جاء مصطلح "أفاتار"؟
تشير الأدبيات التاريخية الغربية، إلى أن كلمة "أفاتار" قد أُشتقت من الكلمة السنسكريتية "أفاتارا"، وتعني "الانحدار". وفي الهندوسية، فإن كلمة "أفاتار" تعني تجلّي إله في صورة جسديّة، على الأرض، كمعلّم إلهي. وأما بالنسبة لغير الهندوس، فإن كلمة "أفاتار" تعني تقنيًا: "تمثيلاً أو تجسيدًا لشخص أو فكرة". وفي الغرب، ولأنهم، غالبًا، ما يصادفون الصور الرمزية "الأفاتار"، في الفضاء الرقمي، فإنهم يُعرّفونها، عمومًا، بأنها الشخصية الكرتونية الصغيرة، التي تختارها لتمثيل نفسك، في ألعاب الفيديو أو على مواقع التواصل الاجتماعي أو في منتديات الإنترنت.
الأفاتار في وسائل التواصل الاجتماعي
في بدايات الإنترنت، كُنا نمثّل أنفسنا، بأسماء مستخدمين، ولكن في عام ١٩٩٦، أطلقت شركة البريد الإلكتروني AOL برنامج المراسلة الفورية، وقدمت رموز "Buddies"، وهي شخصيات تمثلنا على شاشة الدردشة مستوحاة من ألعاب الفيديو. وعلى النسق ذاته أطلقت ياهو! على نسختها اسم "Yahoo! Avatars" عند إطلاقها النسخة 0.6 من ماسنجر، وذلك عام ٢٠٠٤. ومع ظهور برامج مثل: ماي سبيس، وفيسبوك، فقد تغيرت الأمور، وبدأ الناس يستخدمون صورا شخصية، تمثلهم في البروفايلات التي ينشئونها، بدلاً من الصور الرمزية "الأفاتارات".
"الأفاتار" في الألعاب
كان أول استخدام لكلمة "أفاتار" في لعبة كمبيوتر، هو في لعبة تقمص الأدوار، "أفاتار" عام 1979 لـشركة الألعاب الشهيرة PLATO (أفلاطون)، (التي تشتهر بالسعي إلى تقريب الناس من بعضهم البعض في ألعابها). وفي عام 1985، طلبت لعبة Ultima IV: Quest of the Avatar من المستخدمين، أن يفكروا في الشخصية التي تمثلهم في اللعبة، على أنها هم أنفسهم، وذلك أثناء تنفيذهم لمهمتهم في اللعبة، مما يمثل، المرة الأولى، التي تم فيها استخدام "أفاتار"، ليعني، تمثيلًا، وتجسيداً للمستخدم على الشاشة التي أمامه. وقد قرر ريتشارد جاريوت دي كايو، مبتكر اللعبة، والأب المؤسس لصناعة ألعاب الفيديو، وصناعة رحلات الفضاء التجارية، أن المخاطر كانت أعلى، إذا رأى المستخدم نفسه بالفعل في اللعبة. ومنذ ذلك الحين، أصبحت صور "الأفاتار"، في ألعاب الفيديو، أكثر تطورًا بكثير. وبينما لا تزال العديد من الصور الرمزية، على وسائل التواصل الاجتماعي، ثنائية الأبعاد، فإنها تميل إلى أن تصبح ثلاثية الأبعاد، في ألعاب الفيديو. وتطلب منا ألعاب مثل Second Life (التي أنشأها فيليب روزديل)، و لعبة The Sims، ولعبة World of Warcraft، تصميم الصور الرمزية أو "الأفاتارات" الخاصة بنا.
"الأفاتار" في الثقافة الشعبية
لم يكن لمفهوم "الأفاتار"، أي شعبية أو وجود يُذكر، في حيّز الثقافة الجماهيرية الواسع، حتى فيلم "أفاتار"، والذي أُنتج بميزانية ضخمة، وأخرجه جيمس كاميرون. وفي الفيلم نرى مخلوقًا، غريبًا، أزرق اللون، يركض عبر مشهد CGI، وهؤلاء هم شعب "نافي" Na'vi، والنافي (والتي اشتقت من الكلمة الأصلية (Native) في الإنجليزية، للإشارة إلى أنهم السكان الأصليون لكون باندورا، وقد صاغها اللغوي "بول فرومر" خصيصاً للفيلم)، وأما البشر الفضائيون الواعون، الذين يسكنون كون باندورا، فليسوا سوى أجساداً هندسية، تعمل بأدمغة بشر، تتصل بها أجسادهم، عبر آلات اتصال، تشبه التوابيت، يتمدد بداخلها بشرٌ حقيقيون، في أماكن بعيدة، وتتحكم فيها أجسادهم أو أدمغتهم، عن بُعد. وقد تم تسمية هذا الفيلم الملحمي، بناءً على تلك الافتراضية، باسم "أفاتار" Avatar. ومنذ ذلك الحين، صار لهذا الفيلم تأثير ثقافي، وشعبوي هائل. وأيضاً، فقد استطاع الجزء الأول من سلسلة أفلام أفاتار، أن يحقق إيرادات ضخمة، بلغ حجمها 2.7 مليار دولار، في شباك تذاكر السينما الأمريكية، كما أعاد الفيلم تعريف التوقعات حول الصورة CGI. بالإضافة إلى ذلك، فإن هناك أربعة أفلام أخرى، من سلسلة Avatar. وبالنسبة للشاشة الصغيرة، فإن ما اسمه Avatar: The Last Airbender كان مسلسلا للرسوم المتحركة، واستمر من عام 2005 إلى عام 2008. وعلى نفس نسق اللعبة، من حيث أن "الأفاتار" Avatar يمثل وسيطاً بين البشر والأرواح، وبناءً عليه، فقد أخرج M. Night Shyamalan، في عام 2010، فيلمًا حيًا مقتبسًا من الموسم الأول من مسلسل الرسوم المتحركة ذاته الذي تم عرضه على قناة نيكلوديون، بعنوان: Avatar: The Last Airbender.
مستقبل الأفاتار
الحديث عن مستقبل "الأفاتار"، يشبه الحديث عن منزل، قيد التشطيب، حيث ما زلنا نميل إلى استخدام صورنا، كـ"صور شخصية"، على وسائل التواصل الاجتماعي، ووالتواصل عبر تطبيق Zoom أو تطبيق FaceTime، باستخدام وجوهنا الحقيقية. لكن رغم ذلك ثمة توجهات جادة، نحو تفعيل "الأفاتار"، وإدخاله حيز الممارسة، ومن ذلك أن أعادت شركة Apple، تسمية صورها الرمزية باسم "Memojis" (لكنها رغم ذلك، لا تزال صورًا رمزية من الناحية الفنية)، وهذا يعني أن الجيل Z قد يكبر مع مصطلح جديد، له علاقة بـ"الأفاتار"، خصوصاً، حين يتحدثون عن صورهم الرمزية. ومع ذلك، فإن الصور الرمزية "الأفاتار"، تحمل أهمية، ووعدًا، وبشائر بالتحول، أكبر من أي وقت مضى. وهذه البشائر يمكن أن نلمسها في بعض، الممارسات المستحدثة، التي تخص ازدهار مستقبل التحول نحو سياقات الصور الرمزية، وإحلالها محل الصور الشخصية، يمكن فهمها أكثر، حين نرى، أحدهم، من خلال المعطيات الحالية، يرسل صورةً كاريكاتورية، إلى والدته أو صديقته، وهو يغمز فيها أو يبتسم، وتظهر تلك الغمزة أو تلك الابتسامة، في الصورة الكاريكاتورية التي أرسلها، بالتزامن وفي نفس الوقت الفعلي، الذي يبتسم فيه على الواقع، فذلك يعني أن ثمة، نوايا تحول حقيقية، وأن ثمة ما يدور ويُدبّر، في كواليس شركات التكنولوجيا، وكل ذلك وأكثر من تمثلات ومظاهر، لا تعبّر إلا عن كونها مجرد البداية، وأن ثمة ما يمكن رؤيته، وهو يلوح في الأفق.
ولا نذهب بعيداً، فنحن نستخدم الصور الرمزية الرقمية، بشكلٍ متزايد، في كل شيء، بدءاً من الألعاب، إلى وسائل التواصل الاجتماعي، وما بعدها. واليوم، يمكن تغذية البيانات التي تم التقاطها بواسطة المستشعرات - على سبيل المثال تعبيرات وجه الشخص ولغة الجسد - في صورنا الرمزية الرقمية، لإضفاء المزيد من الحياة عليها. لكن صورنا الرمزية الرقمية لا يمكنها فعل الكثير. تخيل لو أن الصورة الرمزية الخاصة بك "الأفاتار"، يمكن أن تسمح لك، بالفعل، بالشعور الجسدي، واللمس، وحتى شم العالم عن بعد؟. وطالما لدى الإنسان القدرة على التخيل، فذلك يعني إمكانية تحقيق ما يتخيله.
تلك الإمكانية، يمكن رؤية ملامحها، بوضوح، في سياق ما يقوم به المبتكرون العالميون، اليوم، من حيث أنهم يستخدمون مزيجًا من روبوتات الذكاء الاصطناعي، و"الواقع الافتراضي"، و"الواقع المعزز"، ويطورون عملهم هذا كل يوم، أكثر فأكثر، من أجل تحقيق حالة تمكين الصور
الرمزية "الأفاتار"، من نقل هذه المعلومات الحسية إلى مستخدميها. وأهم ما يمكن رؤيته في كل مستجد، هو أن هذه التقنيات التي يتم تطويرها كل يوم، تُضفي طابعًا جسديًا جذابًا، على الصور الرمزية "الأفاتار"، مما سيلعب دورًا، بارزًا، في مستقبلنا.
* ستيف ديكسون:
وستيف ديكسون ممثل، كوميدي، منتج، مخرج، مُدرّس، ومؤلف. جامعة سالفورد، سالفورد، إنجلترا، رئيس سابق لقسم الأداء ومدير أبحاث الأداء؛ مدير سابق للتدريب في ورشة غلاسكو للأفلام والفيديو؛ مدير فرقة الحرباء، 1994–؛ جامعة برونيل، غرب لندن، إنجلترا، رئيس سابق لكلية الفنون، أستاذ الأداء والتكنولوجيا ونائب مدير مركز أبحاث BitLab، 2005–، أصبح نائب رئيس الجامعة للتنمية؛ مدير مشارك في أرشيف الأداء الرقمي؛ مخرج خمسة أفلام مستقلة؛ منتج أوبرا لأوبرا نورث؛ مخرج برامج تلفزيونية لتلفزيون أنجليا وغرناطة؛ عمل أيضًا ككوميدي ارتجالي في كوميدي ستور وكوميك ستريب في لندن، إنجلترا.
الجوائز والتكريمات:
جائزة معرض نيويورك ، 1997 و1998، عن إنتاجات الأقراص المدمجة؛ وجائزة النشر المهني/الأكاديمي للتميز في فئة الموسيقى والفنون الأدائية، من رابطة الناشرين الأمريكيين، 2007، عن كتاب " الأداء الرقمي: تاريخ الوسائط الجديدة في المسرح والرقص وفنون الأداء والتركيب". كما فاز بجائزة إخراج عن عمله في فيديو دعائي.
كتابات:
(بمساهمة من باري سميث) الأداء الرقمي: تاريخ الوسائط الجديدة في المسرح والرقص وفن الأداء والتركيب، مطبعة معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا (كامبريدج، ماساتشوستس)، 2007.
مساهم في دوريات، منها Performance Arts International وDrama Review وCTheory و Body, Space, and Technology. محرر مشارك في المجلة الدولية لفنون الأداء والإعلام الرقمي.
الأضواء الجانبية:
في كتابه "الأداء الرقمي: تاريخ الوسائط الجديدة في المسرح والرقص وفنون الأداء والتركيبات الفنية"، يقدم ستيف ديكسون تاريخًا مفصلًا للوسائط الجديدة في الفنون، كما يتحدى وجهات النظر النقدية حول هذا الموضوع. وقد لاقى الكتاب ترحيبًا واسعًا من القراء، إذ وصفوه بأنه عملٌ بحثيٌّ شاملٌ، ثاقبٌ، ومثيرٌ للتفكير أحيانًا، والذي، كما أشارت كاثرين فارلي، أستاذة معهد جورجيا للتكنولوجيا، في مراجعةٍ نُشرت على صفحتها الرئيسية ، يُقدّم "سردًا وافيًا لنشأة وتأثير تقنيات الوسائط الجديدة على مختلف أنواع فنون الأداء". وباستخدام مواد من أرشيف الأداء الرقمي، الذي قام ديكسون بتجميعه وإدارته بالتعاون مع باري سميث، الذي ساهم بمواد في الكتاب، يشرح السياق التاريخي للوسائط الجديدة في الأداء، بدءًا من الإغريق القدماء وحتى القرن الحادي والعشرين. ويتناول ديكسون نظرياتٍ مختلفةً تُعالج التقاليد الطليعية في الفن، ويحلل موضوعاتٍ وأفعالًا وأحداثًا محددةً تُشكّل فيها التقنيات الرقمية - بما في ذلك استخدام الفضاء الافتراضي، والمشاهد المُسقطة، وعروض الروبوتات والكائنات السيبرانية، وغيرها من الابتكارات - عنصرًا أساسيًا في الأداء.
رغم أن فارلي رأت أن الكتاب لا يُوفّق تمامًا في شرح دلالات المادة التي يعرضها، إلا أنها أشادت به واصفةً إياه بأنه "عملٌ جبارٌ يستحق أن يُعتبر قراءةً أساسيةً للباحثين والمعلمين والممارسين وعشاق الفنون المعاصرة". وخلصت فارلي إلى أن الكتاب "سيحتل مكانةً مركزيةً في التراث الأدبي المتنامي لفنون الأداء الرقمي". وكتبت دين غريغار في موقع ليوناردو أونلاين أن رؤى ديكسون حول نظرية ما بعد الحداثة "مُصيبةٌ تمامًا" وستكون بمثابة "نفحاتٍ منعشة". وأضافت غريغار أن كتاب " الأداء الرقمي " "يجمع بين العمق والشمول"، مما يجعله ليس مجرد تاريخٍ للأداء الرقمي، بل "كتابًا يتناول مفهوم الأداء الرقمي برمته".
* الحوار
1. بالنظر إلى أن مصطلح "أفاتار" يرمز تاريخياً إلى "نزول" أو تجسيد إله، كيف يمكن قراءة هذا المفهوم من منظور سيميائي في المسرح المعاصر؟ هل هو "تجسيد" للهوية أم "نزول" إلى التجريد؟
ديكسون: من اللافت للنظر أن مصطلح "أفاتار" مشتق من مصدر روحي وديني، ففي تسعينيات القرن الماضي، عندما بدأ استخدام الأفاتار على نطاق واسع في عروض المسرح والرقص، كان الممارسون يناقشونه غالبًا من منظور الكيانات المقدسة أو شبه الروحية. تعني كلمة "أفاتارا" السنسكريتية النزول، وفي النصوص الهندوسية، الأفاتار هي آلهة تهبط من السماء لتتفاعل مع العالم المادي. في ذلك الوقت، صمم بعض الفنانين، مثل ميكا تومولا، أفاتارهم ككائنات شبيهة بالآلهة: آلهة رقمية تسكن عوالم افتراضية أسطورية أشبه بالأحلام.
أوحى استخدام هذا المصطلح بوجود أوجه تشابه بين الآلهة الهندوسية والشخصيات الافتراضية المولدة بالحاسوب، مما أضفى على الأخيرة هالة سحرية أو غموضًا. فمثل الآلهة، بدت هذه الشخصيات وكأنها موجودة وغير موجودة في آنٍ واحد، مادية وغير مادية، تسبح في الأثير، زوار غريبون وعجيبون من عالم آخر. لكنني أعتقد أن هذا التصور كان في الأساس تاريخيًا، إذ ظهر في تسعينيات القرن الماضي عندما اشتدت الثقافة الرقمية بسرعة وانتشرت في الوعي العام لدرجة أن قدراتها الجديدة وصورها وتجسيداتها الافتراضية قوبلت بدهشة وإعجاب، كما لو كنا نشهد معجزة. ومنذ ذلك الحين، أصبحت الأدوات الرقمية منتشرة في كل مكان، بل وحتى مألوفة، ونادرًا ما نتفاجأ أو نُذهل في أيامنا هذه.
2. تطورت الصورة الرمزية من مجرد "أصدقاء" رسوميين بسيطين إلى كيانات معقدة بتقنية CGI. كيف أثر هذا التطور في "وسيلة التمثيل" على علاقة الممثل بالمسرح؟
ديكسون: كانت الصور الرمزية الحاسوبية الأولى التي تسكن العوالم الافتراضية بسيطة التصميم، أو في أغلب الأحيان، نسخًا مُقتطعة من الثقافة الشعبية والعلامات التجارية. تنافس الأبطال الخارقون مع دمى باربي، بينما كان ميكي ماوس يتحدث مع حذاء رياضي من نايكي. في كتابه "بيان الصور الرمزية" (1998)، يجادل غريغوري ليتل بأن المستخدمين، من خلال تمثيل أنفسهم عبر صور رمزية مبنية على شخصيات مسجلة، يكشفون دون وعي عن رغبتهم الدفينة في أن يصبحوا سلعًا. فبدلًا من ابتكار تجسيدات فريدة تعكس شخصياتهم، لا توجد صورهم الرمزية إلا "كأداة من أعلى إلى أسفل، تجسيدًا للتجارة متعددة الجنسيات ما بعد الحداثة... رأس المال، وليس كريشنا، هو الذي يصنع لنفسه جسدًا". بدلاً من ذلك، يحث بيان ليتل الرائع على إنشاء صور رمزية تستحضر المادية القصوى والرؤى والتجسيدات المفرطة، ويستحضر المنظر المسرحي أنطونين أرتو كمصدر إلهام له، مشيدًا بمفهوم أرتو عن الجسد بدون أعضاء باعتباره الوصف الأمثل للصورة الرمزية، ويدعو إلى "نموذج أكثر انتشارًا وتنقلًا وظهورًا للوعي المجسد".
شهد القرن الحادي والعشرون ظهورًا مماثلاً، مع ابتكار صور رمزية (أفاتار) متزايدة التعقيد وجاذبية بصرية، باستخدام مجموعة من البرامج المتطورة وبرامج الذكاء الاصطناعي. ويساهم تطورها المتزايد في تعزيز العروض المسرحية وقوة تفاعلها مع الممثلين. لكن في الوقت نفسه، يساور الكثيرين قلقٌ من خطر متزايد يتمثل في أن تتفوق هذه الصور الرمزية في نهاية المطاف على الممثلين أو حتى تحل محلهم.
3. إذا كان الرمز الافتراضي بمثابة "وكيل" يمثل الذات المادية، فأين تكمن "الأصالة" في الأداء المسرحي؟ هل تكمن في نية المشغل أم في فعل الرمز الافتراضي؟
ديكسون: في كتابي "الأداء الرقمي" (2007)، أناقش مفهوم "الأفاتار" باعتباره نسخة رقمية ودمية قابلة للتحريك. في العروض المسرحية والراقصة، يُمثّل "الأفاتار" بديلاً درامياً للمؤدي، فهو نسخة تُقدّم صورة بديلة عن الذات، وتجسيداً مختلفاً. لكن في معظم الحالات، هو مجرد نوع من الدمى التي يُحرّكها المؤدي، كشخصية متحركة يُحرّكها ويتحكم بها الإنسان: على سبيل المثال، من خلال تحريكها رسومياً على الشاشة بواسطة مُشغّل، أو من خلال نظام التقاط الحركة الذي يُوجّهها لتقليد حركات المؤدي مباشرةً.
وبناءً على ذلك، فإن فعالية أداء الشخصية الرمزية وإحساس الصدق أو الأصالة في الحدث المسرحي يعتمدان بشكل مباشر على المؤدي البشري. في الوقت نفسه، قد تضفي بعض الحركات، أو السمات المبالغ فيها في المظهر المرئي للشخصية الرمزية أو جودة صوتها، عليها قوة يصعب على الممثل تحقيقها: كالسحرة والشياطين الطائرة، على سبيل المثال. ونظرًا لطبيعتها الشبيهة بالدمى، ابتكر صناع المسرح شخصيات رمزية مسرحية لا تُنسى وذات تعاطف كبير، تمتلك، على سبيل المثال، سحرًا طفوليًا مرحًا أو إحساسًا عميقًا بالضعف أو الحزن أو الرثاء.
إذن، العلاقة بين المُشغِّل والشخصية الافتراضية علاقة معقدة، فمع أن الأول هو المتحكم والثاني هو المُتحكَّم به، إلا أن الشخصية الافتراضية قد تستثير في نهاية المطاف تعاطفًا أكبر من الجمهور. وبالمثل، قد تبدو وكأنها تمتلك قدرات إبداعية أكبر، نظرًا لسهولة اتخاذها أشكالًا متطورة أو خارقة للطبيعة، ومن خلال قدرتها على التحول. توجد علاقة معقدة ومتبادلة بين المُشغِّل والشخصية الافتراضية، يُغذي كل منهما إبداع الآخر. وكما أشار مارشال ماكلوهان ذات مرة: "معنى المعنى هو العلاقة... الحقيقة ليست مطابقة، بل هي شيء نصنعه في تفاعلنا مع عالم يُشكِّلنا" (1997: 93).
تشير التطورات الهائلة في مجال الذكاء الاصطناعي منذ العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين إلى مستقبل قد يصبح فيه التمثيل المسرحي أكثر استقلالية، مؤكداً على قدرته على اتخاذ القرارات والتصرف بشخصيته الخاصة، ومتخذاً قراراته وأفكاره الإبداعية الخاصة.
4. بالاستناد إلى المفهوم الأفلاطوني لـ "المحاكاة"، هل يحاكي الأفاتار "جوهر" الشخصية، أم أنه يبعد المسرح أكثر عن "الحقيقة"؟
ديكسون: تُعدّ كتابات أفلاطون حول المحاكاة والمُحاكيات وثيقة الصلة بمفهوم الصورة الرمزية (الأفاتار). ويتمحور مفهوم أفلاطون حول استعارة الكهف حيث نشاهد صور الظلال المُلقاة على الجدران ونظنها كائنات وأشياء حقيقية. ويُشابه مفهوم الصورة الرمزية هذا المفهوم تمامًا - فهو بناء مُؤطّر وليس واقعًا ملموسًا - وخلال ما يُسمى بالثورة الرقمية، أعاد المنظرون إحياء أفكار أفلاطون بشغف، وقدموها كاستعارة مركزية لما كان يحدث.
كان جان بودريار من أبرز هؤلاء، إذ طبّق في كتابه "المحاكاة والتقليد" (1981) وأعمال أخرى، تشبيه الكهف على الثقافة الرقمية والصور الإعلامية. جادل بودريار بأن هذه الصور هي محاكاة، نسخ بلا أصل، وأشار إلى أنها تمتلك قوة إغراء هائلة تمكنها من السيطرة على الوعي البشري واستبدال الواقع. وهكذا قلب بودريار تسلسل أفلاطون الهرمي بين الواقع والوهم رأسًا على عقب، ليؤكد أن المحاكاة باتت تُحظى بقيمة أعلى من الأشياء الحقيقية، وأن الناس عاجزون عن التمييز بينهما. وكأنه عراف عدمي، حذر بودريار من "روح شريرة للمحاكاة... إن مجيء العالم الافتراضي هو في حد ذاته نذير شؤم، ويحرمنا من الحدث الحقيقي لنذير الشؤم" (1998: 23). ومن المثير للاهتمام، أن بودريار في مقالته "شركة ديزني وورلد" (1996) يصوّر البشر كأنواع من الصور الرمزية، ويسميهم شخصيات موجودة في واقع افتراضي شبحي، يتجولون مثل ممثلين إضافيين قابلين لإعادة التدوير في الأفلام.
كانت أفكار بودريار حول المحاكاة متطرفة، إذ قدمت صورةً لتحول البشر إلى كائناتٍ جامدةٍ كالأموات الأحياء في مواجهة الصور الرمزية وغيرها من التجسيدات الرقمية. لكن أعماله كانت مؤثرة، ولها صلةٌ خاصةٌ بمسألة ما إذا كانت الصور الرمزية تحاكي جوهر الشخصية، أو تقرب المسرح من مفاهيم الحقيقة أو تبعده عنها. من منظور بودريار، تحاكي الصور الرمزية جوهر الشخصية بالفعل، إذ أصبح الواقعي والافتراضي يعكسان بعضهما البعض بدقةٍ شديدةٍ لدرجة يصعب معها التمييز بينهما في أذهاننا. في الوقت نفسه، تبعدنا الصور الرمزية أكثر فأكثر عن مفاهيم الحقيقة والواقع، رغم أننا قد نجد صعوبةً في إدراك ذلك.
هذا موقف تبناه أيضاً العديد من فناني المسرح (مثل جيرزي غروتوفسكي) وباحثي الدراما الذين عارضوا إدخال الوسائط والتقنيات الرقمية على خشبة المسرح. ومن بينهم باتريس بافيس الذي وصفها بأنها "تلوث" للشكل المسرحي، وبيغي فيلان التي جادلت بأن جوهر المسرح هو التفاعل المباشر - دورة مستمرة من الظهور والاختفاء - وأن الوسائط المعروضة تقوضه وتعطله.
5. كيف يمكن لتقنيات الصور الرمزية أن تعمل كـ "معادل موضوعي" للتعبير عن الحالات العاطفية المجردة التي قد يعجز الجسم البيولوجي عن إظهارها؟
ديكسون: كما ذُكر سابقاً، يمكن أن تتمتع الصور الرمزية المصممة بمهارة بقدرات تتجاوز قدرات المؤدين البيولوجيين. ومع ذلك، أعتقد أن هذه القدرات تقتصر أساساً على تمثيلاتها البصرية وتأثيراتها الصوتية، وليس على قدرتها على التعبير عن حالات عاطفية مجردة بشكل أكثر فعالية من الإنسان.
6. هل يستطيع الأفاتار اليوم أن يملأ هذه الفجوة بـ"حضور" يُضاهي الحضور المادي للممثل؟
ديكسون: لطالما أثارت قضايا الحضور اهتمامي، وفي المسرح متعدد الوسائط، تحديدًا الحضور النسبي للممثلين البشريين المباشرين مقابل الصور الرمزية أو عروض الفيديو للشخصيات. يرى العديد من النقاد أن الإنسان سيظل دائمًا صاحب حضور أقوى، بينما يشير آخرون إلى ميلنا المعاصر إلى الانجذاب للشاشات أكثر من الأشخاص. كما أن الحجم النسبي لشخصية الشاشة أو الصورة الرمزية مقارنةً بممثل المسرح، فضلًا عن مدى جاذبيتهما البصرية، سيؤثر بشكل كبير على أيٍّ منهما نشاهد، إذ يُضفي حضورًا أكثر إقناعًا.
لقد ناقشتُ في موضع آخر كيف أن تصرفات هذين الكيانين المختلفين، ومدى استحواذهما على انتباهنا، ستكون حاسمة أيضاً. أتخيل شخصيتين متساويتين في الحجم، تقفان جنباً إلى جنب على خشبة المسرح: إحداهما ممثل حقيقي، والأخرى مُسقطة. أقترح أنه عندما تكون كلتا الشخصيتين محايدتين، قد يكتسب الممثل حضوراً أكبر نظراً لحيوية شخصيته وصلابتها النسبية.
لكن بمجرد أن ينخرط أي من الشكلين في نشاط ما (بما في ذلك التفكير العميق)، فإنه سيجذب الانتباه إليه، ويستحوذ على الاهتمام، ويفرض حضوره على الآخر. وعندما ينشط كلاهما، فإن الشكل الذي نراقبه أكثر (إذ سينتقل انتباهنا بينهما باستمرار)، أي الشكل الأكثر حضورًا، هو الذي ينخرط فيما نجده شخصيًا أكثر إثارة للاهتمام أو تأثيرًا عاطفيًا. وبهذا المعنى، فإن الحضور فيما يتعلق بتفاعل الجمهور وانتباهه يعتمد على جاذبية النشاط السمعي البصري، وليس على الحيوية أو البعد الجسدي الثلاثي. (ديكسون 2007: 132)
لذا أعتقد أن الصورة الرمزية (الأفاتار ) قادرةٌ بلا شك على جذب انتباهنا وفرض حضورها على المسرح بقدر أو أكثر من الممثل البيولوجي، وذلك بعدة طرق، تبعاً لعوامل مختلفة. تشمل هذه العوامل أحجامها النسبية، ومدى جاذبيتها البصرية والصوتية، ومدى إثارة وجاذبية حركاتها.
7. وأخيرًا، كيف تتوقع مستقبل مدارس الدراما؟ هل سنرى قريبًا أقسامًا مخصصة لـ"تمثيل شخصيات الأفاتار" كشكل فني مستقل؟
ديكسون: نعم، أفعل ذلك، وتقنيات "التمثيل الأفاتاري"، وخاصة استخدام تقنيات التقاط الحركة، هي بالفعل عنصر مضمن في العديد من مدارس الدراما وأقسام المسرح الجامعية.
مراجع
بودريار، جان، 1998. نوبة: مقابلات مع فيليب بيتي. ترجمة كريس تيرنر. لندن: فيرسو.
بودريار، جان، 1996. "شركة ديزني وورلد". CTHEORY، 27/3/1996. < http://www.ctheory.net/text_file.asp?pick=158 >
بودريار، جان، 1994. [1981] المحاكاة والمحاكاة. ترجمة شيلا فاريا جلاسر. ميشيغان: مطبعة جامعة ميشيغان.
ديكسون، ستيف، 2007. الأداء الرقمي: تاريخ الوسائط الجديدة في المسرح والرقص وفن الأداء والتركيب. كامبريدج، ماساتشوستس: مطبعة معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا.
غروتوفسكي، جيرزي، 1968. نحو مسرح فقير. حرره يوجينيو باربا. لندن: ميثوين.
ليتل، غريغوري، 1998. "بيان للأفاتار".
https://www.researchgate.net/publication/349928846_A_Manifesto_for_Avatars
ماكلوهان، مارشال، 1997. أساسيات ماكلوهان، حرره إريك ماكلوهان وفرانك زينغرون. نيويورك: روتليدج.
بافيس، باتريس، 2003. "خاتمة: الكتابات الدرامية المعاصرة والتقنيات الجديدة". في قراءات عابرة للحدود: تجاوز الحدود المسرحية، تحرير كارياد سفيش، ص 187-202. مانشستر: مطبعة جامعة مانشستر.
فيلان، بيغي، 1993. غير مُعلَّم: سياسات الأداء. لندن، نيويورك: روتليدج.