
أنجز الحوار: ليلى بارع
يُعدّ الشاعر والباحث الجمالي عز الدين بوركة من الأسماء الفاعلة في مجال الجماليات والنقد التشكيلي العربي، استنادا إلى مسار من الإصدارات النقدية والبحوث التشكيلية داخل المغرب وخارجه، وإلى تجربة إعلامية واكبت تطوّر المشهد التشكيلي المغربي.
تأتي كتاباته في سياق حقل نقدي ظلّ لوقت طويل متأثرا بهيمنة اللغة الفرنسية في الخطاب الفني بالمغرب، مقابل حضور أقل للغة العربية. ويُعدّ بوركة من بين قلّة من النقاد الذين اختاروا العربية لغةً لكتابة النقد التشكيلي، بما يضعه ضمن اتجاه جديد في هذا الحقل، يقوم على توظيف عدّة معرفية متعددة، ومتابعة للتجارب التشكيلية المعاصرة، إلى جانب خلفيته الشعرية في مقاربة أسئلة الصورة والمشهد البصري وتقديمهما للقارئ العام والمتخصص.
*ما الذي يعنيه لك الحصول على جائزة الشارقة للبحث النقدي التشكيلي ؟
ـ يعني لي الحصول على جائزة أنه اعتراف بمسار بحثي ما زال في بداياته، ويضع على عاتقي مسؤولية مضاعفة لمواصلة العمل في حقل الإستتيقا داخل فضاء عربي يتغير تحت ضغط السرعة والصورة والسوق. أرى في هذا التتويج تأكيدا على أن النقد ليس خطابا تابعا، بل فعلا بنائيا يواكب الفعل الإبداعي، يراجعه ويصنفه ويسائل موقع الفن داخل الثقافة العربية. كما أعتبره إشارة إلى أن ما أكتبه يقرأ بوصفه محاولة لربط الفن العربي بمرجعياته الرمزية وتحولاته الراهنة بين التراث والمعاصرة، وهو ما أتخذه مشروعا بحثيا. لذلك تمثل الجائزة محطة تحفزني على مواصلة التفكير في الفن العربي بوصفه حدثا معرفيا لا مجرد ممارسة تقنية.
*ما المقصود بالهوية المتحركة؟ وكيف تتحول الهوية إلى دينامية؟ وما علاقة ذلك بالتراث؟
ـ الهوية المتحركة هي هوية تدرك ان قوتها لا تكمن في ثباتها بل في قابليتها للتحول وإعادة التعريف. الهوية التي تتوقف تتحول الى قشرة شكلية، بينما الهوية الحية تعيد بناء نفسها عند كل احتكاك بالعالم وعند كل لقاء وسؤال. من هنا ارى ان الهوية لا تتجذر حقا الا عندما تتحرر من يقينها المغلق وتقبل ان يعاد تأويلها وقراءتها باستمرار.
وحين تتحول الهوية الى دينامية تصبح أكثر من موقف ثابت، لتصير قوة داخلية تعيد تنظيم نظرتنا الى العالم. هي في هذه الحالة ليست انفصالا عن الآخر بل انفتاح عليه، وليست رفضا بل استعدادا للتغيير. داخل هذا الافق يغدو التراث جزءا من الحركة لا مخزونا جامدا؛ يتحول الى مادة حية قابلة لإعادة القراءة والتشكيل بمنطق السؤال لا منطق الامتثال. الهوية المتحركة بهذه الصورة تحمي التراث من التحجر، وتجعل منه امتدادا وقدرة على التجدد، في زمن لم يعد ينقسم بصرامة بين ماض ومستقبل، بل يظهر كحركة مستمرة تعبر الوعي والذاكرة والرؤية.
*كيف يتقاطع الشعر والتشكيل في كتاباتك؟
ـ لا تعد العلاقة بين الشعر والتشكيل علاقة مجاورة فحسب، وإنما أيضا علاقة ضرورة وتعايش إبداعي، واستلزام داخلي يدفعني يوما بعد يوم للكتابة. حيث يمنح الشعر اللغة، تلك القدرة على تخفيف ثقلها، وعلى جعلها قادرة على الالتقاط لا على الوصف فقط. والتشكيل يمنح الرؤية تلك القدرة على تكثيف العالم في لحظة واحدة، في ظل واحد، في علامة واحدة. حين أكتب عن الفن، أشعر بأن اللغة بحاجة إلى أن تتنفس، تحتاج أن تتخلص من صلابتها وتستعيد مخيلتها. لذلك أسمح للشعر بأن يفتح للمعنى منافذ، وبأن يمنح النقد شكلا مرنا يتسع للتجربة البصرية بدل أن يختزلها. والتشكيل بدوره يترك أثره على الكتابة. المنجز الفني يُعلّم النص كيف يقف أمام اللون والشكل والمادة والأثر البصري، كيف يتعامل مع المسافة، كيف يصغي للصمت الذي يتشكل في الفضاء. الشعر يحرر اللغة من تقنيتها، والتشكيل يحرر العين من مراقبتها العادية. لهذا تخرج النصوص التي أكتبها في منطقة مشتركة بين الحواس والوعي، منطقة تتيح للنقد أن يصبح بناء جماليا، وأن يتجاوز وظيفته التقريرية.
*ماذا يربح ويخسر التشكيل المغربي بسبب الازدواجية اللغوية بين الفرنسية والعربية؟
ـ الازدواجية اللغوية في المغرب ليست ظاهرة سطحية، بل هي جزء من البنية العميقة للثقافة المغربية، خاصة منذ مرحلة ما بعد الاستقلال. وقد تشكل الفن المغربي الحديث داخل فضاء فرنكوفوني أتاح الاطلاع على تاريخ الفن الأوروبي، وعلى المناهج الحديثة والحساسية البصرية التي رافقت الحداثة الغربية، وهو مكسب لا يمكن إنكاره.
في الوقت نفسه ظهرت محاولات لـ»تعريب» و»مغربة» الفن، عبر تجارب مزجت في خطابها بين العربية والفرنسية، وفي أعمالها بين الرموز المحلية والتراثية والتقنيات الغربية، انطلاقا من وعي بانتماء الفن المغربي إلى المحلي أولا، ثم المشترك العربي، مع تطلع إلى العالمية. لكن قوة المؤسسات والسوق وصعود طبقة من المقتنين الفرنكوفونيين من مغاربة وأجانب دفع اللغة الفرنسية إلى الهيمنة، وهمش العربية، خاصة مع تراجع المدرسة العمومية وتحول الممارسة التشكيلية إلى نشاط نخبوية، ما أضعف حضور العربية في بناء السوق والخطاب التشكيلي.
في السنوات الأخيرة بدأت العربية تستعيد موقعها داخل الخطاب الإستيتيقي، عبر جيل من الباحثين والممارسين المزدوجي اللغة أو العاملين بالعربية حصرا، ممن يعيدون التفكير في الفن انطلاقا من سياقاتهم الثقافية والرمزية، وهو ما يمنح التشكيل المغربي بعدا ضروريا، لأنه يعيد ربط الفن بالسياق الاجتماعي والذاكرة واللغة التي تصوغ وجدان المتلقي.
أما الخسارة فتظهر حين تتحول الثنائية إلى صراع، أو حين تحاول كل لغة أن تفرض هيمنتها الكاملة، عندها يضيع الخطاب النقدي بين اتجاهين يسيران بسرعتين مختلفتين. ما يحتاجه الفن المغربي هو خطاب نقدي متعدد، يعرف كيف يتنقّل بين اللغتين، وكيف يستثمر قوتهما معا، من دون أن يتحول إلى ترجمة حرفية لأي منهما. ونحن في حاجة لأكثر من لسان ولغة، في النقد المغربي، لأكثر من العربية والفرنسية نفسيهما، أي الانفتاح على الإنكليزية والإسبانية وغيرهما، والأمازيغية أيضا باعتبارها لسانا محليا…
*هل مفهوم الحساسية مقابل الجيل مرتبط بالسياق المغربي فقط، أم قابل للتعميم عربيا؟
ـ مفهوم الحساسية جاء من رغبتي في فهم الفن المغربي بطريقة تتجاوز التصنيفات التقليدية. الجيل مصطلح ينتمي للزمن، بينما الحساسية تنتمي للرؤية. الجيل يعتمد على التاريخ، والحساسية تعتمد على التجربة، حين نتحدث عن الحساسية، نحن نتحدث عن الفنان الذي يصنع عالمه الخاص، والذي لا تحدده سنة ميلاده بقدر ما تحدده الطريقة التي يرى بها العالم. هذا النموذج ليس مغربيا فقط. المشهد العربي، بتنوعه الواسع، يبرهن على أن الاتجاهات الإستتيقية لا تتشكل عبر الأجيال، وإنما عبر التحولات الفكرية والتقنية والروحية. هناك فنان عربي «شاب» ينتمي إلى حساسية أكثر قربا لأساليب سابقة، وهناك فنان «مخضرم» ينتمي إلى حساسية جديدة بالكامل. لذلك يصبح مفهوم الحساسية أكثر دقّة في قراءة الفن، لأنه ينظر إلى الطابع الداخلي للتجربة وليس إلى لحظتها الزمنية.
*كيف يبدو التشكيل المغربي مقارنة بالمشهد العربي؟
ـ التشكيل المغربي فضاء منفتح، متعدد، وواسع إلى حد يجعل الحديث عنه بلغة عامة أمرا صعبا، لكنه في الوقت نفسه يملك سمات واضحة تميّزه داخل المشهد العربي، أولها الطاقة التجريبية التي لم تتوقف منذ الستينيات، المغرب عرف مدارس متعددة عملت على الجمع بين الموروث والحداثة، بين العلامة الشعبية واللغة التجريدية، بين الحسّ الصوفي والرؤية المفاهيمية. الخصوصية الثانية تكمن في أن المغرب بلد يملك ذاكرة بصرية غنية جدا، ذاكرة تمتد من الحرف والزخرفة والعمارة التقليدية، إلى الممارسات المعاصرة الأكثر تجريبا. هذه الذاكرة تمنح الفنان المغربي موارد إستتيقية لا تنتهي.
أما السوق الفنية المغربية، فهي واحدة من أكثر الأسواق نشاطا في المنطقة، رغم نشأتها المتصاعدة، وهذا يؤثر مباشرة على الممارسات ويمنح الفنان المغربي مجالا لتجارب أوسع. لكن الخصوصية الأعمق تكمن في المزج الطبيعي بين الأمازيغي والعربي والمتوسطي والافريقي داخل رؤية بصرية واحدة، وهذا امتياز نادر. وهو ما عبرت عنه في البحث الفائز بجائزة الشارقة، وهو ما سعيت أيضا من المنطلق عينه لإبرازه في تجارب عربية محلية أخرى، لها روافدها المتعددة ومصادرها المتنوعة وثقافتها المتعايشة من المحيط إلى الخليج.