أين ينتهي المنفى كي يبدأ القلب

2025-12-11

يحيي سعيد الواضح*


1
يا أيها السائرون على خطى الغيم
هذي البلاد التي علمتنا
أن السيوف القديمة ما زالت تنبت قمحا
إذا مرّ عليها نشيد
وأن الممالك تشفى
إذا فتح الأطفال نافذة للضوء فوق الأسوار
في البدء كانت أرضا
تخبئ أسماءها في جيوب الفقراء
وتكتب سفر النجاة على صخور
لم يلمسها غير القادمين من الأنبياء
وفي البدء كنا
كما كنت يا وطن
نصف حلم يعانق منفاهم
ونصف جرح يذكرهم أن الطريق إليك
تحتاج أكثر من خطبة
وأقل من جيش
يا أيها العابرون على زمن
لم يعترف بأحلامنا بعد
نقول لكم
إنا سلالة من عادوا
من الرماد بأسماء جديدة
ومن الهزيمة بأمنية
تعلق قمرا فوق ساحة معركة
ونقول
لم تنته الرواية بعد
فالمدينة التي سقطت أمس
تعد اليوم أرجوحة لأطفالها
وتقول
إن لي وطنا يواصل تنفسي
حتى لو ضاق الهواء

2

ولدت
على حافة قرن يتكسر مثل زجاج
تركت عليه الحروب بصماتها
وعلق الفقراء فوقه أمنيات
لا يسمعها غير ملائكة
يصبرون على الشك أكثر مما يصبرون على اليقين
قالت أمي
وهي تضمد قلبها بضحكة قديمة
لا تجالس الظل طويلا
فالظل ابن غياب
وأنت ابن ضوء يبحث عن نافذة
فكبرت
أحمل في جيبي مفاتيح
من بيوت لا أذكرها
وفي صدري خرائط
لم ترسم على ورق
بل على ضلوع رجال
ناموا على الحدود
كي يستيقظ الأطفال على اسم جديد للوطن
وعندما سألت أبي
من نحن
قال
نحن سلالة الذين
إن سقطوا مرة
عادوا إلى الأرض مرتين
مرة ليتأكدوا أنها لم تخن
ومرة ليغرسوا وجعهم
كي يزهر بعد عامين
ومنذ ذلك اليوم
أدركت أن الهوية
ليست بطاقة تبرزها للعابرين
بل جرح تتعلم
كيف تنشده دون أن تنزف
وان الوطن ليس أرضا فقط
بل وقت
إذا خسرته ضللت الطريق
حتى لو كنت في قلب مدينتك
كبرت
كان راسي يزدحم بالاسئلة
وجسدي يزدحم بالمشاة
وروحي تحاول ان تجد مقعدا
في قطار لا يتوقف
إلا عند محطات
تفوح منها رائحة من رحلوا
ولما رأيت الناس
يشبهون الخرائط الممزقة
عرفت أنني لن أكتب قصتي
من فوق جسر هادئ
بل من فم نهر
يصر على الجريان
حتى لو اختلطت به دماء
لا يعرف أصحابها
لماذا سالت
وهكذا بدأت
لا بطلا
ولا نبيا
بل شاهدا
يرتب الفوضى في قلبه
ويعطي للمدينة
سببا آخر
لتتذكر أن أبناءها
ما زالوا يكتبون أسماءهم
على صفحات الربح

*كاتب فلسطيني/ سوري












كاريكاتير

إستطلاعات الرأي