«فرانتس كافكا لا يريد أن يموت»: أين تنتهي الرواية وأين يبدأ التاريخ؟

2025-12-03

منير الحايك *

 

اعتدنا في الآونة الأخيرة قراءة الروايات التاريخية، أو تلك التي تعطي سيرة متخيَّلة لشخصيات معروفة، وهذا لن يكون مجال التعمق في هذا المقال، بل أريد الانطلاق منه، لأنّ رواية «فرانتس كافكا لا يريد أن يموت» للفرنسي لوران سيكسيك (ترجمة محمد الفحايم ـ دار الرافدين 2025) بالفعل تسرد مرحلة من حياة كافكا قبيل وفاته، ولم يكن العنوان من أجل الجذب والتسويق، ولكن هل فعلا كانت غاية الكاتب كتابة رواية تاريخية يستعيد فيها هذه السنوات من عمر الكاتب الشهير؟
قد يتخذ الأدب من الحدث التاريخي، أو الشخصية المعروفة ذريعة فنية لقول ما لا يمكن قوله مباشرة، وقد تكون الحكاية الظاهرة ليست سوى قناع لحكاية أخرى، واستحضار الشخصية وسيرتها يكون من أجل دعم الغاية نفسها، وفي رواية سيكسيك، التي تحكي في جزئها الأول عما حصل مع كافكا في المصحة، وأدخل معه شخصيات حقيقية ومتخيّلة، أدت وظائفها بشكل قويّ ومتماسك صبّت جميعها في خدمة سردية النص وفنّيّته، ولكن ما الذي ورد بين السطور، واستمرّ وسيطر بعد مرحلة وفاة كافكا في الرواية؟
تبدأ الرواية مع روبير الذي يلتحق بالمصحة، حيث يقبع فرانتس كافكا في 2 فبراير/شباط عام 1921، وتسرد الرواية قصته وهو الطبيب، أو طالب الطب، وتمهد بأنه سيلتقي بالكاتب كافكا، الذي سبقه إلى المصحة، ونعرف الكثير عنه، وتأخذنا الرواية في رحلة إلى تلك المرحلة من تاريخ أوروبا، ونسمع أصوات الناس العاديين وما يعانون منه، وتدخل على خط السرد قصص اليهود ومعاناتهم، وهذا أمر طبيعي ومبرر، خصوصا أن كافكا وعائلته وأجواءه ورفاقه، هم من اليهود.
تنتقل الرواية بنا إلى يوليو/تموز 1923 مع دورا الحبيبة، ومن ثمّ إلى يونيو/حزيران 1924 مع أوتلا الشقيقة، ويتناوب الثلاثة على السرد حتى وفاة فرانتس كافكا والانتقال إلى الجزء الثاني من الرواية، وأعوام 1933-1936. ومن ثمّ تكون هنالك انتقالات إلى أعوام 1938 و1941 و1972.
حوارات عميقة تحصل، نسمع فيها صوت كافكا، وتستحضر الرواية والده، وهي أمور يحبها المتلقي، ونسمع أصوات من عاصروه، متخيَّلين أم حقيقيين، وبصرف النظر عما هو واقعي وما هو متخيّل وما هو حقيقي موثَّق، يجد المتلقي نفسه أمام كافكا الإنسان، من نواحٍ تجذبه وتقنعه، ولعل أبرز تلك الحوارات، ما تمّ بعد وفاة فرانتس، بين روبير وماكس، حول مسألة الالتزام بوصية كافكا وحرق نتاجه، أم نشره وعدم الالتزام بالأمر، المتلقي يعرف أن صديق كافكا نشر كتبه، حتى غير المكتملة منها كـ»القلعة»، ولكن الحوار الذي صاغته الرواية كان يجول في بال المتلقين، فما كان من الرواية إلا أن وضعته أمام أعينهم ووضعتهم أمام الحقيقة ومن يملك الحق بالقرار الذي اتُّخِذ. وهنا تفاصيل وعمق قدّمته الرواية يحسب لها.
أما عن الجزء الثاني منها، فقد كان استغلالا لاسم كافكا، حتى يسرد لوران سيكسيك السردية اليهودية في أوروبا، من ناحية إنسانية، وبصرف النظر أيضا عن قناعات الناس بالهولوكوست وبأحوال اليهود واضطهادهم خلال تلك السنوات من تاريخ أوروبا والعالم، خصوصا ما بين الحربين العالميتين، فقد كان في رأيي الأمر مقصودا، غايته التعاطف وردّ الرأي العام العالمي إلى التركيز على هذا التعاطف والتركيز على المظلومية التي تعرض لها اليهود، كأنه لم يتعرض لها غيرهم عبر التاريخ. وهنا أعطي مثالا حول ما حصل مع روبير، الشخصية التي نكون قد أحببناها بسبب علاقته مع كافكا، وحواره مع ماكس، الذي يُمنع من ممارسة الطب بسبب كونه يهوديّا! والكثير من القصص التي ترافق الشخصيات والظلم الذي سيلحق بهم بسبب ذلك الانتماء نفسه!
وبالعودة إلى لغة النص، أريد التركيز على الترجمة العربية، وما تقدّمه الترجمات أحيانا من إضافات وأحيانا من إنقاص من قيمة العمل الأصلي، وهنا أقول إن جهود محمد الفحايم كانت واضحة من خلال ترجمته الاحترافية، ولغته السردية، التي أفادت النصّ الأجنبي بأن يصل بهذه السلاسة وهذا الجذب. إنها رواية عن فرانتس كافكا الذي نحبّ، والذي قدّم إلى المكتبة العالمية نصوصا أصبحت من كلاسيكيات الأدب العالمي، وهو صاحب «التحوّل» و»القلعة» و»المحاكمة»، وصاحب الرسائل، قرأنا عنه الكثير في الرواية، ولكنها لم تكن منصفة، خصوصا أنها حملت اسمه في العنوان، وركّزت على معاناته في الجملة التي أرادتها الاستشهاد الأساسي فيها «اقتلني، وإلا فأنت قاتل»!

 

*كاتب لبناني












كاريكاتير

إستطلاعات الرأي