سـيرةٌ لهادم المـعبد  

الامة برس-متابعات:
2024-05-22

 

 سـيرةٌ لهادم المـعبد   

علي جعفر العلاق-

الى سـعدي يوسـف

لابـْنِ يوسـفَ فتنتُهُ بالمنافي..

يتوقُ الى بردها تارةً والى صمتها تارتينِ

ويدعو اليه ندامـاهُ من مُفلـسٍ لم يجـدْ وِجْهتَهْ،

ونبيٍّ يقـاسـمُهُ شـقّـتهْ..

لمّ يعـشْ لحـظةً دون منفى:

مخيلةً للكوابيسِ كانَ

وذاكرةً تتفصّدُ أقنعةً وعذاباً وسعفا..

 

وفجأةً يهبطُ من منفـاهُ في مغارةٍ

أو «غرفةٍ بالطابق الرابع

من عمارةٍ في سـاحة التحريرِ.»

 

كنا اثنينْ..

كان نبيّاً أخضرٍاً يقبل من ظلّ جداريةٍ ،

يبحث عن بلاده ضائعةً

بين أسىً أحمق أو سيفـينْ

يحمل في كل صباحٍ وردةً لما سيأتي ،

نادماً على الليالي كلهاً..

كأنّه كان طريد الجنة الأولى

كأنّه كان نديماً للصعاليك وشـذّاذ القرى الشعثاء ،

أو كالبحر مجهـولا..

 

يبتكر الشعر كما يشتهي

يعبر من جيلٍ الى جيلٍ

ومن مكيدةٍ شـعريةٍ كبرى الى مكيدةٍ..

لكنه في لحظةٍ يصبح محْضَ اثنينْ

في لحظةٍ يهجر أسـماءهْ

يهجو مريديهِ وأعـداءْ..

 

لا يطيق المكوث على وقع قـافيةٍ واحـدةْ

أو على دفء سـيدةٍ واحـدةْ

دعته المنافي الى عشبها المرِّ ثانيةً

فمضى مثلما طـائرٌ هبّ من عَـتْمةِ الشجرةْ

صاعداً صوب مملكةٍ لا يراها..

جنـاحانِ يلتطمان ببعضهما:

لا طريقَ الى الضوءِ

لا قشرةُ الأرض ريّانةٌ..

لا نخيلُ السمـاوة يشبهُ نخلَ السمـاواتِ

بل جنّةٌ من شِــقاقٍ ومن نائحـينْ

لا شكوكٌ مؤكـدةٌ

لا يقـينْ..

 

كان سـعدي يراجعُ آخـرَ خيباتِهِ

حينما مـرّتِ امرأةٌ لم تجـدْ غير موقـدِهِ مطفأً

والحماماتُ يمْسحْنَ بالدمع ريش قصائدِهِ..

لم تجدْ غيـرَ أحلامِهِ

تتكسّرُ كالمطرِ الرّخْـوِ..

مملكةٌ من حجـارٍ وناسْ

لا تَحِـدُّ انهياراتِهأ صِفَـةٌ أو حـواسْ..

 

يا ابنَ يوسـفَ، بورك موتُكَ

غربتك الأزليّةُ ، فوضاكَ

يا أيهذا الهلاليُّ ، تصعدُ من حلُمٍ

صوب آخرَ، من هفـوةٍ صوب أخرى

فلا جنةً قد عرفتَ ولا جنةٌ قد وعِـدْتَ بها..

أيّهـذا المغنّي الذي لا يمَلُّ :

«جبـالٌ كمكةَ جـرداءُ ،

وادٍ كمـكّة لا زرعَ فيـهْ..

وأنت الهـلاليُّ أضْيَعُ من ذرّة الرملِ

بدّلْـتَ تيهاً بتيـهْ».. * * *

 

ما الذي قد تركتَ وراءكَ ؟

أسرفْتَ في الوهـمِ ، أسرفْت في الشعرِ..

بالغْتَ في الخطـأ المرِّ، والخطـأ العذبِ

بالغْتَ في اللا يقـينْ..

ليس إلا القصيدةُ خضراءَ

إلا التلفّتُ صوب السماوةِ

إلا السماواتُ حمراءَ

إلا النبيُّ الذي كنته ذاتَ يومٍ

وما تحت جبّـتكَ الصوف غيرُ الحنـينْ..

 

يا أيها الهجّـاءُ والحـالـمُ والمرتدْ

يا ملهـم السُـوقةِ واليائسـينْ

في الزمن الأســودْ..

في معبدٍ يضجُّ بالباعـة والمشترينْ

وحدك كنت الحـزينْ

يا هـادمَ المـعبدْ..

 

إنه الموتُ، صاحبُك الأبـديُّ

قرينُك، ذاك الذي لم تفـارقْهُ..

كنتَ تُمدِّدُهُ فـوق نـارٍ معتّقةٍ

مثلما تتمدّدُ هـذي البـلادُ على نارها..

ما رأيتك إلا وحيداً..

وما كنتَ إلا طريدَ القبـائلِ

تبكي عليكَ ، ومنكَ..

وها أنت تخرجُ من بينها ..

يائساً من هتافاتِ حزبكَ

مستوحَشاً من فضاءاتِ ربّكَ

يا أيّها البابلِيُّ الذي لا يلـينْ..

 

* يتأسس مناخ هذه القصيدة على نصٍّ سابق، نشرته القدس، عن رحيل سعدي يوسف.

** من قصيدة سعدي يوسف : العمل اليوميّ.

*** قصيدة له بعنوان : باتنة.

 

*شاعر عراقي









كاريكاتير

إستطلاعات الرأي