مارتشيللو فينيتسياني.. جامباتيستا فيكو وذهنٌ بطوليّ يتوارثه الجنوب

2024-05-21

أمل بوشارب

يعود المفكّر والروائي الإيطالي مارتشيللو فينيتسياني (1955) من خلال إصداره الأخير للحفر في كواليس السِّيَر الذاتية والحياة الذهنية لأعظم مُفكّري إيطاليا، فبعد "يوليوس إيفولا بين الفلسفة والتراث" (1979)، و"دانتي أبونا: المُفكّر الرؤيوي الذي أسّس إيطاليا" (2020)، يأتي "فيكو المعجزات: الحياة المجهولة والمُضنية لأعظم مُفكّري إيطاليا" (2023) ليكرّس اسم فينيتسياني حافظاً لذاكرة أكبر فلاسفة إيطاليا وأكثرهم أصالة. أولئك الذين لم يقتصر أثرُهم على عصرهم فحسب بل امتدّ إلى أجيال لاحقة وأضاء وهجُهم العالَم بأسره، بعدما نجحوا في اختبار الزمن.

وعلى الرغم من بقاء اسم الفيلسوف الإيطالي جامباتيستا فيكو (1668 ـ 1744) مُهمَلاً في الدراسات الفلسفية حتى في إيطاليا نفسها إلى غاية مطلع القرن العشرين، إلّا أنّ تأثيره يبرز على كبار المُفكّرين في زمنه ويتعدّاه إلى الأزمان اللاحقة، ويظهر حتى على أسماء غير متوقّعة كما يذكر فينيتسياني في كتابه، وذلك على الرغم من أن العديد منهم لم يتوان عن سرقة أفكاره دون الإشارة إليه: "كثيرون هم المؤلّفون الكبار الذين استفادوا من فيكو، غالباً دون الاعتراف بفضله. وأحد هؤلاء، مونتسكيو العظيم... فقد كان هناك نسخة من رائعة فيكو ("العِلم الحديث") في مكتبة مونتسكيو في قلعة 'لابريد'. وإذ تظهر في العمل الأهمّ للمفكّر الفرنسي 'روح القوانين' آثار واضحة من قراءته لفيكو".

ويتابع فينيتسياني: "وقد اعتمد عالِم اللغة وولف، وهو باحث هوميري، وهامان ثم هيردر بشكل كبير على أعمال فيكو. ومن بعدهم غوته، وياكوبي، وبادر، ودي مايستر، وشاتوبريان، ناهيك عن الفلاسفة الإسبان. دع عنك القرنَين التاليَين، والبصمة الهائلة التي تركها فيكو على الفكر الإيطالي، ولكن أيضاً على الفكر التاريخي والجمالي والأنثروبولوجي والسياسي والقانوني".

ولكن أيّ أثر يكون قد تركه فيكو على الفكر العربي بالنظر إلى تأخُّر نقل الكتاب الذي يضمُّ عُصارة فلسفته وهو الذي بقي يُنقّحه ويُراجعه حتى آخر أيامه: "العِلم الجديد: في الطبيعة المشتركة للأمم"، الصادر بطبعته الأُولى في إيطاليا عام 1725، وبالعربية عام 2020 عن دار "أدب" بترجمة أحمد الصمعي.

في كتابه "الأنسنية والتاريخ، من سعيد إلى فيكو: انعكاس رؤية فيكو على دراسات ما بعد الكولونيالية" (2016)، يُفصّل الباحث الإيطالي ماورو سكاليرتشيو في أثر فلسفة فيكو على المفكّر الفلسطيني، ويخلُص إلى أنه لا يُمكن فَهْم النزعة الأنسنية لدى سعيد دون ردّها بالكامل لفلسفة فيكو، وهو ما من شأنه تبديد أيّ لبس ما بعد بنيوي قد يحُوم حول رؤية سعيد بتأثير من الفرنسي ميشيل فوكو، وحيث يشرح سكاليرتشيو في كتابه ممارسات المفكّر الفلسطيني النقدية بعدسة "فيكوية" صرفة.

وإن كان لا يخفى على أحد من دارسي إدوارد سعيد الأثر العميق الذي تركه الفيلسوف الإيطالي عليه، وهو الذي بقي مُلازماً له منذ كتاباته المبكّرة إلى غاية آخر أعماله، فذلك يعود أيضاً لعدم تردُّد سعيد نفسه - على عكس غيره من المفكّرين - بالحديث عن فضل فيكو في صياغة رؤاه الفكرية، حيث يقول في كتابه "صُور المثقَّف" (1994) إنه يَعُدُّ فيكو منذ أمد بعيد أحد أبطاله، بل يذكُره في آخر وثائقي أُنتج عنه قبل رحيله بفترة قصيرة بعنوان "المُقابلة الأخيرة"، قائلاً إنّ ثمّة اسمين هما الأكثر تاثيراً فيه ويسمّي فيكو قبل كونراد. ذلك على الرغم من أن اسماً كميشيل فوكو كان ليخطر ببال أي قارئ "للاستشراق" (1978) حيث يطغى أثر الفيلسوف الفرنسي على العمل الأبرز لسعيد ولكنّه أيضاً تأثيرٌ يكاد ينحصر على كتاب واحد، في حين أنّ فيكو هو من منَح لفكر سعيد بشموليته كلّ اتّساقه وتماسُكه.

وهذا ما كان يجعل المفكّر الفلسطيني يعود دوماً في كتاباته ومقابلاته إلى فيكو حتى في "الاستشراق" نفسه الذي يظهر فيه الأثر الأقلّ لفيكو على سعيد، إلّا أنّ هذا الأخير لم يتوانَ مع ذلك عن الإشارة إلى الفيلسوف الإيطالي في مقدّمة طبعة الكتاب الصادرة عام 2003: "اسمحوا لي الآن أن أتحدّث عن نموذج بديل مُختلف كان له أهمّية كبيرة بالنسبة لي... إذ لابدّ من أن أنوّه بالمُساهمة الإبداعية الفائقة التي قدّمها جامباتيستا فيكو، الفيلسوف وعالم اللغة النابوليتاني الذي سبقت أفكاره المفكّرين الألمان وتسلّلت لاحقاً إلى خطّ أفكارهم وهُم من سأقوم بالاستشهاد بهم فيما يلي...".

والواقع أنّ سعيد كان مُدركاً لِكَمِّ النُّكران الذي تعرّض له فيكو في حياته من زملائه في "جامعة نابولي"، حيث لم يكُن سوى "أستاذ جامعيّ مغمور يتمكّن بالكاد من تأمين لقمة عيشه"، كما يورد في "صُور المثقَّف"، وقبلها في "فيكو: العصاميّ والأنسني" (1967)، حين عبّر سعيد عن استيائه من الفلاسفة الذين أهملوا الدروس الكبرى من عمل المفكّر الإيطالي العظيم "العِلم الجديد" وهمّشوها على نحو مُجحف، متخيّرين منه ما يتناسب مع توجّهاتهم. وفي هذا يقول فينيتسياني في كتابه: "سيأتي زمن يتمّ فيه الاعتراف بفيكو، والإعجاب به ودراسته... سيأتي زمنٌ يجري فيه تقليد فيكو بل وسرقته، وسيقيّدونه بسترات ضيّقة سترتديها القرون المُقبلة والفلسفات القادمة... سوف يدخل المدارس والجامعات، وسيتم تبسيط بعض نظرياته وتحويلها إلى شعارات، ستصبح كلماته شائعة وسيضرب بها المثل... ومع ذلك، سيبقى ظلُّ شَكٍّ هائل يُخيّم على فكره: حتى بعد وفاته، هل تمّ فهمه حقّاً، أم جرى فقط تمزيقه إلى أجزاء وبعثرته، نُتف من نظريات هنا، وقصاصات من جُمل هناك يجري تكييفها مع الظروف... مع إهمال السياق الكبير الذي وُلد فيه المعنى وتحييد الخطة العظيمة التي ألهمت فيكو، وبالتالي إفقاده جوهر فكره ورؤيته".

ولشرح "الخطّة العظيمة" التي ألهمت فيكو يستخدم فينيتسياني استعارة المَسبَحة التي تتعدّد حبّاتُها ولكنّها تتناغم دون أن ننسى الهدف الأول من استخدامها: "ربطُنا بالله". وهكذا نجد أنّ الدرس الأعظم لدى فيكو هو التوفيق بين عوالم خمسة يحيا الإنسان داخلها في كلّ لحظة: الماضي والحاضر والمستقبل والخيال والخلود. ويحتاج المرء "ذهناً بطوليّاً" حتى يعيش هذا الفهم، و"الذهن البطولي" هو عنوان الفصل ما قبل الأخير من كتاب فينيتسياني، والذي أهدى منه الكاتب خاطرة لأهل غزّة في حوار جمَعه مع كاتبة هذه الأسطر، حيث عبّر الكاتب عن غصّته اليوم من إعادة فيكو إلى غياهب النِّسيان في ظلّ طُغيان المقاربات التحليليّة الأنغلوأميركية على الفلسفة في عالمنا، منوّهاً بإعادة اكتشاف فيكو ضمن الثقافات الشرقية ومؤكّداً على أنّ ابن نابولي هو فيلسوف الجنوب بامتياز.

ويُواصل فينيتسياني في كتابه: "وبالرغم من قدوم ذلك الزمن الذي أصبح فيه المفكِّرون يتتبّعون بطُرق أُخرى مسارات فيكو، و'اكتشافاته' ويتصالحون مع أفكاره حيث عبَرت شهرتُه أخيراً القرون والحدود والبحار، وذهبت به بعيداً، حتى في تلك العوالم التي كانت صمَّاء حياله أو عنيدة عندما سعى عبثاً إلى جذب انتباهها، وأرسل أعماله إلى عُظماء زمنه ولم يتلقَّ منهم سوى الصمت أو عبارات الشكر الرسمي، بل وحتى السخرية وراء ظهره".

والحقيقة هي أنّ فيكو بقي مُعذّباً طيلة عمره بشعور النُّكران وعدم الاعتراف من جميع من كان حوله، وجعله يعمل لكسب المزيد من المال لإعالة عائلته في كتابة المرثيّات والعبارات على شواهد القبور ـ وهو عالِم البلاغة ـ ولكنّه مع ذلك لم يحصل لا في حياته ولا حتى عند مماته على عبارة تكتب على شاهد قبره تُذكّر بعظمَته، ولم يتمكّن ابنُه نفسه، الذي لم يرث عبقريته، من إهدائه كلمات تفيه حقّه، فكانت قفلة "فيكو المعجزات" لحظة مؤثّرة أهدى فيها فينيتسياني لأعظم مفكّر مرّ على إيطاليا كلماتٍ أهداها أيضاً لوالده وهُما من يتشاركان حروف الاسم الأولى. وكأيّ ابن بار من الجنوب، كذلك فعل إدوارد سعيد نفسه، حين ترك في كتابه الأخير "الأنسنية والنقد الديمقراطي" (2004) وصيّته الفكرية ـ كما يُجمع النقّاد على وصفها ـ وفيها أوصى المفكّر الفلسطيني بالعودة إلى جذوره "الفيكوية". ذلك أن "الذهن البطولي" صفة يتوارثها الجنوب، اسمُها العربي هو: العرفان.

روائية ومترجمة جزائرية مقيمة في إيطاليا









كاريكاتير

إستطلاعات الرأي