إيقاعات الشجن الداخلي في أقاصيص «ولع السباحة في عين الأسد»

2024-05-19

مهدي غلاّب

يسترعي انتباهُ كل من يتناول المجموعة القصصية «ولع السباحة في عين الأسد» الصادرة عن مكتبة «كل شيء» في حيفا (فلسطين) سنة 2023 كإصدار من الحجم الصغير يقع في 113 صفحة للقاص المغربي حسن إبراهيمي معطيين نصيين مهمين يمكن تحديدهما من بين جملة العناصر الأخرى المطروحة في الأثر. هما على التوالي:

– المعطى الأجناسي المتمثل في التحام النثر بالشعر عبر تواتر الأحداث، الذي يفتح المجال لهيمنة سلطة النص على سلطة النوع الأدبي.

– المعطى السياقي المتمثل في تداول مفهوميْ الألم والحلم في موجة عبثية مريرة تجعل من غاياتها الاشتغال في مجال اللاّعقل واستبعاد الوظيفة النصية العقلانية. رغم وجود إشارات مخالفة لهذا الاتجاه. فكانت المحدودية والمعاناة طاغية على المشروع النصي، ووردت مهمة توظيف فكرة البحث لاستحضار المفقود عبر مقدرات اللاوعي.

إن الخصائص النصية الأجناسية في هذا العمل تكشف تتابعا سريعا لمسارات الأحداث، باعتماد جمل قصيرة في شكل تراتيل صور شعرية تكاد تكون سجعية، تتميز بالتكثيف، حاملة لأفكار غير مرتبطة ببعضها بالضرورة، وزاخرة بمعان مفككة، ذلك أنّ تتابع الجمل القصيرة على نحو مقطع «أخذ مطر الكلمة، وضح أن الاحتفاء بهدير السيارات، واصل حبل الجبل، مشنقة العطف، انتزع الشيوخ ما تبقى من أشعة، فازوا بأفواه الصخور» يقودنا، إلى دلالات متمردة على السياق اللّغوي حاملة لمعجم لغوي هجين يؤدي إلى ضياع وشرود أفق المعنى المحدد من جهة، وحدوث تقابل في المصطلحات من جهة أخرى، ما يجعل السياق في حالة توتر وحركة مستمرة ما بين صعود وهبوط (عطف /مشنقة، شيخ/ أشعة، موت/ قبلات، الحب/ البكاء، العدم/ الذاكرة، الدبابة/ الأغنية، القطة/ العصفور، الملح/السواد) وهو معطى يحيلنا إلى مستوى تقطيع سردي رهيب يعد أقرب إلى البوح والخاطرة والنثر الشعري منه إلى القص، لاسيما أنه يستمد إيقاعاته من تعاقب الأحداث المريبة، وإلا فما علاقة الجبل بالمشنقة والاحتفاء بالسيارات والشيوخ بالصخور! ولعل الكاتب اختاره ليكون خاصية مختلفة عن باقي الخصائص الأسلوبية المتعارف عليها. كل هذه المعطيات تجعل النص ينزاح عن مهمته الأصلية في الكتابة ويتحول إلى مجموعة أحداث منفصلة عبر تواتر الصور الشعرية وإحداث الاختلاف في التعامل مع إطار النص، واعتماد التنظير في التصريح بمواقف سياسية ثورية ونقابية تحررية. يتضح هذا المفهوم جليا في النغمية النثرية الشعرية الثائرة في أقصوصة انتفاضة أعشاب البحر: «فرح أمواج البحر، قمل يقود عيوب الزمان، عسر طفق يتساقط من الأغلال، عسر طفق يتساقط، وشم رسمته الأمطار، دمية بأسمال جديدة، عسر لحظة، شلل أغلال، إرهاب امرأة، التهاب ساقيْ مزلاج، وردة تفوح منها رائحة وردية، أسلاك كهربائية، سجين يئن تحت السوط، لحظة عبور البحر».

يبدو الخطاب المطروح في شكل تعبيرات متباينة تؤكد عدم التزام الكاتب بترابط الأحداث. وهو مفهوم يرده الناقد المغربي عبد الفتاح كيليطو إلى غياب الرباط المنطقي لعدم توفر انسيابية وتتابع التسلسل السردي بوضوح وواقعية، نظرا لضبابية الكلام وتردد الراوي في إيصال المعنى المحدد، ولربما يكون هذا التردد كامنا في شخصية الكاتب نفسه نتيجة ضغوطات مصحوبة بقلق وجودي متصاعد، ومرد ذلك في الحقيقة، لسببين:

– السبب الأول وهو موضوعي يتمثل في سلطة القيود المفروضة في المجتمعات العربية، التي تخفي خلفيات عقائدية وسياسية عميقة، لا تسمح للمبدع التصريح بأفكاره فنراه يحوم في دائرة الغموض وقد يلجأ إلى اعتماد عدد من الشعارات والرموز، وهي خاصية ليست جديدة في النص العربي، تعتمد التلميح بدل التصريح، والاستعارة بدل الوصف، وُجدتْ في عدد من الأعمال الأدبية القديمة منذ أوج البديعيات الأولى للنثر العربي في القرن السابع الميلادي، منها قصة كليلة ودمنة لابن المقفع.

– السبب الثاني: وهو أسلوبي يكمن في براعة إغراق النص في الغموض حتى يتسنى للكاتب التعبير بحرية وأريحية عن جملة الهموم المراد طرحها وإيصالها للقارئ، على أن تسلسل الأحداث رهين بقناعة القارئ وإرادته وإيمانه بما تفرضه اللغة (البنية القصصية) والمنطق (الأسباب والنتائج) والعرف (القبول والمجاملة) ورغم الاقتناع بحياد واستقلالية الكاتب عن الراوي إلا أن احتمال تداخل الأدوار في بعض المحطات وارد. فهل ينقلنا هذا العمل حقا من تشنج اللغة إلى هموم المجتمع؟

في قراءة قدمها اللغوي المصري والرئيس السابق لمجمع اللغة العربية شوقي ضيف تحدث عما يسمى باللعبة اللفظية وهو مفهوم ينبني على تطابق الحالة المعجمية مع الحالة الاجتماعية، كدراسة تقودنا إلى الانتقال من النص إلى النفس ومن الكاتب إلى المجتمع، كتناول يجعل الكاتب يتفاعل في الآن ذاته مع نصه ومع جمهوره ليعيد مراجعة أدواته ويتأمل أساليبه. وهو ما يحدث في هذه المجموعة القصصية، إذ يعكس تشرذم وانفلات البناء النصي الحالة الاجتماعية الصعبة التي يتصاعد فيها النسق المتوتر والقلق وتحضر فيها المسحة التشاؤمية الانهزامية انعكاسا لصورة المجتمع العاجز والمتردي. فتتحول اللغة إلى مجرد مطالب وشعارات تعبر عن مقدار المعاناة المطروحة في أغلب النصوص القصصية الستة عشر التي احتواها المُؤلَّف. بهذا تصبح اللغة مجرد استعارات لفظية تتجاوز البلاغة والبديع والمعنى، وتنآى بالبناء اللغوي من غايات جوهرية إلى غايات شكلية جمالية.

أما البعد الموضوعي الدلالي فيرتكز في الأساس على ثنائية إرادة الكاتب أمام عجز الواقع، كمحاولة للإصغاء لصوت الإنسان واستجلاء هموم الذات لخلخلة أنظمة الزمن. فكان اللجوء إلى شحن الصور السريالية على غرار: شهوة الملائكة، تحرر البحر، لجام السمكة، رحيق الموت. واعتماد الغرابة مثل: طعم يهذي، عيد الأصنام، غثيان النهر، قذف العمر. والسفر في الحلم الذي يفتح المجال لتأويلات الرغبة النفسية والاندفاع بصوت الذات ونحت صورتها مثل: مجد الأطفال، حلم الأزقة، زرقة الظلام، ممرات السماء، مدينة الحلم. مقابل إرادة الفعل والأمل المتصاعدة كان الواقع قاسيا متصلبا عاد بالنص إلى دائرة البداية الأولى بحضور الموت (جمجمة محمولة على كف الكلمات) والسفر كإشارة لتغير المواقف وعدم ثبات المبدأ والبحث عن معنى آخر للحياة (علق بجوف القطار) والمأساة المنحصرة في زوايا الحزن والفشل (قد أُقذفُ في الفرن، قد أبعثر كالكلمات، كما النار حين تحشد ما بداخلها من الصدأ) والألم (أفق رهيب) (قطوف ألم) وصولا إلى السخرية والتهكم من خصائص الإرادة والقرار (امرأة تنسج العزة).

فكانت المحصلة مليئة بالقسوة والألم بدل الأمل مرصعة بالنكسات والإخفاقات. وهي مجموعة مضامين برهنت عن انحلالها وتلاشيها قادت في النهاية إلى محطة عبثية سجنت السياق النصي في دائرة مغلقة لا تكاد تنفتح آفاقها لبرهة في أقصوصة، حتى تنغلق في أخرى داخل سجون اغتراب مقلقة.

وهكذا فإن خصائص هذا العمل القصصي، التي وإن وردت حاملة لخطاب يتوق إلى التغيير فإنها اصطدمت بإرادة الواقع ما جعل البناء السردي مهزوزا ومتعثرا يقفز من محطة لأخرى، كأمواج البحر المتلاطمة في طقس ربيعي هادئ جميل ترتطم الموجة لتتكسر على صخور الحقيقة، ومن المنطقي فإن خلق الاهتزاز يعتبر بمثابة زلزال داخل النص، يجعله ينزاح عن سياقه السردي القصصي المتعارف ويتماهى مع عدد من التجارب الشعرية النثرية على غرار تجربة أحد رواد القصيدة النثرية الشاعر السوري محمد الماغوط. فهل عجزت اللغة عن ترسيم هويتها وتحديد مآلاتها؟ مع أن تجربة الكاتب حسن إبراهيمي كانت منفلتة ومتحررة من كل القيود حاملة لنزعة إنسانية تعبر عن حب الأرض فهي تبعث الحياة من الرماد ما يؤهل هذه التجربة لتكون محطة مجددة ضمن محطات التجريب المختلفة كممارسة فنية حداثية تهدف إلى المغايرة وكسر المألوف، ومن المعلوم أن الإبداع القصصي كان أكثر الفنون الأدبية استجابة للتحولات الجمالية واستيعابا لمظاهر التجديد، كالانفتاح على موضوعات جديدة لطرد الرتابة وخلق استعارات بنيوية تتواصل مع الرسم والسينما والمسرح سبيلا لإثراء المتخيل السردي.

يقول الشاعر محمد الماغوط في مقطع من قصيدة حرق الكلمات:

سئمتك أيها الشعر، أيها الجيفةُ الخالده

لبنان يحترق

يثب كفرس جريحة عند مدخل الصحراء

وأنا أبحثُ عن فتاة سمينه

أحتكُّ بها في الحافله

عن رجلٍ عربي الملامح، أصرعه في مكانٍ ما.

كاتب تونسي









كاريكاتير

إستطلاعات الرأي