إفادةُ يام بن نوح الأخيرة

2024-05-18

فراس موسى

(إلى منصف الوهايبي)

تنّورُ بيتكَ فارَ..

يا للماءِ منهُ يسيل غدرانا..

إذنْ.. لن تستطيع الآنَ أمّي أن تقمِّر خبزَنا اليوميَّ

أو أن تسجرَ التنوّرَ.. فالتنّورُ ماءٌ..

يا أبي.. قل لي هل اكتملتْ خريطةُ عالمٍ

رسمتْهُ خلواتٌ طويلاتٌ

سفحتَ بريقَ عمركَ في مراعيها

ترضِّعُ نفْسكَ اللوّامةَ الشكوى

وتبكي.. لا لشيءٍ..

إنّما كي تقنعَ الملأَ الذين استملؤوكَ جرارَ آياتٍ..

وداروا واستداروا..

ثمّ قالوا: لن نصدّقَ لحيةً شعثاءَ

هاجتْ في مطارفها الثلوجُ

ولنْ نولّيَ شطرَ عزفِ عصاكَ تلبيةً

وثمّ تمالؤوا..

قد كنتُ أوّلَهم عليكَ..

إذنْ.. علاماتُ النبوّة:

لحيةٌ.. وعصا.. ووحيٌ يا أبي..

ولذا شعَعْتَ مياهَ صوتكَ يا أبي فينا..

لكنْ لم أصدّق كِلْمةً ممّا قصصتَ

لأنّني كنتُ النبيَّ.. نبيَّ نفسي..

كنتُ أوحي في العشيّة.. في الضحى..

في بُهمة الليل الموشّى بالسكينة لي

وجئتُ لكي أقصَّ عليكَ أحلامي

لكنْ لمْ تصدّقني.. وقلتَ: اركبْ..

لكنْ.. كان قد فار الحليبُ..

الآنَ ماذا يا أبي؟

هل ملَّ وجهُ الأرض من مكياجه؟

هل حان وقتُ العرض؟

امضِ إذنْ إلى أشغالكَ الأولى..

وأنهِ إذا استطعتَ نجارةَ الفلك الممرَّد..

إنّ وقتكَ ضيّقٌ..

وعليكَ قبل مطالع الطوفان أن ترفو القلوعَ

وأن تعمّدَ، بعد هذا، بالدعاء الصارياتِ..

أليسَ هذا ما تقولُ لنا؟

أبي.. هل كنتَ نجّاراً.. ونوتيّاً..

وكنتَ مهندسا أيضا؟

لكنّ النبوّةَ داهمتكَ وأفرغتكَ من المواهب

فاستدرتَ إلى السماء تلومُها..

أنا قد رأيتكَ، صدفةً، في ليلةٍ طلساءَ تشكو..

كان صوتكَ كامداً يعلو: لماذا يا سماءُ أنا؟

وأنتَ حفيدُ آدمَ..

وجههُ المائيُّ أنتَ وظلّه..

ابنٌ لـ(لامكَ)؛ جدِّنا..

ونبيُّ عصر الماء.. (أنتَ تقولُ هذا!)

والأبُ الثاني..

ومفتاحٌ لما يأتي.. ومرتاجٌ لما يمضي..

لكنْ لم تكن يوما أبي..

وصرختَ بي والموجُ يعلو كالجبال.. اركبْ

أكنتَ إذا افترضتُ تبادلَ الأدوار

تركبُ يا أبي؟

٭ ٭ ٭

دسرٌ وألواحٌ..

أنا قد رأيتكَ..

كنتَ محترفاً تلاحِمُ بينها..

الأشجارُ..

كيف تطاولتْ في لحظةٍ مثلَ المآذن يا أبي؟

أنا قد رأيتكَ..

غيرَ أنّكَ لم تلاحظْ ظلّيَ الحاني يميلُ عليكَ..

لم أرَ لفحَ صوتكَ قد تعثّرَ بالنداءِ عليَّ يوماً..

يام.. يا كنعان.. يا ولدي تعالَ إليَّ

كي يبقى نجيلُ أبوّتي رهوًا وأخضرَ..

كنتَ مشغولا بغيري يا أبي..

قد كنتَ تدعو كلَّ مخلوقات هذي الأرض

للفُلك الذي لم تستضفني فيه…

كيف نسيتني؟

هيّأتَ في الفلك المطارحَ للثعالب..

والأرانب.. والسناجب.. والعناكب..

جئتَ بالأفيال.. (كيف؟)

وجئتَ بالديدان أيضا.. والوحوشِ جميعِها..

حتّى النّمالَ حملْتها..

لم تنسَ عصفوراً ولا فأراً..

لماذا؟

قد صدعتُ بما أُمِرتُ.. تقولُ..

ثمّ حملْتَ من (كلٍّ)..

لكنْ قد عجزتَ عن انتشالي يا أبي..

٭ ٭ ٭

من أين يأتي الماءُ؟

(قد غرقتْ مياهُ البحر أيضا)

والتقى الماءان..

ماءٌ قد تفجّرَ كالبراكين الجوامح..

أُخْرِجتْ أمواهُ هذي الأرض.. (كيف؟)

أنا أحاولُ أن أرى..

أنا كلّما اتسعتْ رؤايَ

بكيتُ كالأطفال ممّا قد رأيتُ

ولا أرى شبحي هنالك..

والتقى الماءان..

ماءٌ كالرصاص يُصبُّ من قِربٍ..

إذنْ.. هل طقَّ ماءُ الرأس؟

كانتْ حاملا هذي السماءُ ولم تقلْ..!

حاولتَ إخمادَ الحقيقة يا أبي..

٭ ٭ ٭

من شعفة الجبل المطلِّ على جبال الماءِ

ألمحُ يا أبي نخل العراق يغيب في لجج الدموع..

وألمحُ الشامَ الحزينةَ من مكاني

ترتقي كي تلتقي ناووسَها الحجريَّ..

ألمحُ يا أبي طفلا جميلا..

ضائعاً في الّلامكان..

وهائماً في الّلازمان..

يُغلُّ بالأحزان..

أسألُ: مَنْ تكونُ؟

يجيبُ: لبنانُ الكبيرُ أنا…

أرى، فيما أرى، امرأةً فلسطينيّةً

موفورةَ الدمعات.. صامتةً..

أحاورُ حزنَها الأبديَّ: ماذا تفعلين الآنَ؟

تجهشُ إذ تقولُ أفكُّ ضفيرتيَّ

لكي أغطّي أعينَ الشهداء..

ألمحُ يا أبي يمناً حزيناً..

استقلتُ من السعادة..

لم أكنْ يوماً سعيداً، قال، والأثمانُ مرهِقةٌ..

فمَنْ قرنَ السعادةَ بي؟

أرى ليبيا موزّعةً على سفن القراصنة

الذين توسّدتْ أحقادُهم شطآنَها..

٭ ٭ ٭

ماءٌ تجمّعَ فوق ماءٍ / تحت ماءٍ..

كلُّ ما في الماء ماءٌ.. يا أبي

والماءُ ينفرُ ثمّ يرجعُ ثمّ ينفرُ ثمّ يرجعُ..

هكذا يبقى (على قلقٍ)..

ولي جبلٌ سيعصمني أنا..

٭ ٭ ٭

تتكسّرُ الأمواهُ كالأنصالِ في أمِّ المعاركِ

يا أبي.. ها أنتَ تصرخُ من بعيدٍ:

يا بنيَّ اركبْ معي..

لو كنتَ أسرعَ في النداءِ

لكنتُ أسرعَ في الركوب.. ولم أمتْ..

لو كنتَ تعرفُ يا أبي

ما كانَ بعد تفجّر الأمواه.. بعد هدوئها…

لو كنتَ تعرفُ يا أبي..

كنتَ اعتذرتَ عن انتشال جميع مَنْ ركبوا

وكنتَ حملتني.. وحملتَ (واغلةً) مَعَكْ!

شاعر فلسطيني









كاريكاتير

إستطلاعات الرأي