"الاقتباس من الأدب إلى السينما": تحولات مشروع حداثي

2021-09-22 | منذ 4 أسبوع

محمد عبد الرحيم

للسينما المصرية تاريخها الطويل والمؤثر، وقد تنوعت وكثرت الدراسات التي تناولت جوانب عدة لهذه السينما وقضاياها، جمالياً وسياسياً واجتماعياً. ولعل ظاهرة (الاقتباس) تعد من أهم مصادر السينما المصرية، سواء صرّح أصحابها بالمصدر، أم تحول الأمر إلى سرقة.

ورغم التعرّض لمثل هذه الظاهرة في دراسات ومؤلفات سابقة متباينة القيمة، يأتي كتاب «الاقتباس من الأدب إلى السينما.. محطات في تاريخ مشترك» ليضيف دراسات جادة في معظمها بشأن الاقتباس، وقاصرة على الأعمال الأدبية وحدها ـ دون الأفلام أو حتى المسلسلات الإذاعية التي تحولت إلى أفلام ـ هذا من جهة، ومن جهة أخرى يُشير الأمر إلى أن ظاهرة الاقتباس في بدايات السينما المصرية وما بعدها، خاصة الآداب الأجنبية، كان بمثابة مجاراة لمشروع حداثي لهذا الفن في مصر، إضافة إلى عدم التقليل من شأن الوسيط السينمائي ـ كما جرت العادة ـ لحساب الأعمال الأدبية.

صدر الكتاب مؤخراً عن دار المرايا للإنتاج الثقافي، وحرره كل من الأكاديميين سلمى مبارك ووليد الخشاب، وضم عدة أبحاث لأكاديميين ونقاد مصريين وأجانب.. ميشيل سيرسو، جان كليدر، هالة كمال، جان لوقا بارولين، رندة صبري، عصام زكريا، دينا قابيل، داليا السجيني، دينا جلال، وأماني صالح إبراهيم.

وبخلاف المقدمة التي كتبها المحرران، ضم الكتاب أقساما ثلاثة.. أولها اقتباس النوع، كعملية انتقال لقيم الحداثة، من خلال أعمال مثل.. «زينب» «البؤساء» «يوميات نائب في الأرياف» و»الباب المفتوح». والثاني عن الاقتباس كانتقال ثقافي، ومدى ملائمته للبيئة والمناخ الاجتماعي والسياسي المصري، مثل أفلام.. «أمير الانتقام» «نهر الحب» و»جنة الشياطين». وجاء القسم الثالث عن أعمال نجيب محفوظ، من خلال مسلسل «أفراح القبة» وفيلم «أهل القمة».

مشروع حداثي

«إذا كان تفوق السينما المصرية في العالم العربي وما وراءه يعود إلى وجود صناعة قوية وُلدت في أوائل الثلاثينيات، فمن المؤكد أن اقتباس الأدب، لعب دوراً لا يقل أهمية في توسيع قاعدة هذه الصناعة من إنتاج ما يقرب من 360 فيلماً مستمداً من الأدب العربي والغربي، ما بين عامي 1930 و2019».

هكذا يُشير المحرران في مقدمتهما إلى أهمية ظاهرة الاقتباس من الأدب، ومدى تأثيرها في صناعة السينما أولاً، ثم تقديم أنماط سردية ظلت السينما أثيرة لها لوقتٍ طويل، إضافة إلى أن الاقتباس من الأدب الغربي بوجه الخصوص كان بمثابة انتقال لقيم الحداثة الغربية، مع اختلاق مساحة للتوافق بين الروايات الغربية، والمجتمع المصري وقضاياه الاجتماعية والسياسية.

التحولات

بدأ الاقتباس من الأدب مبكراً في السينما المصرية، ففي عام 1930 تم اقتباس رواية «زينب» لمحمد حسين هيكل في فيلم بالاسم نفسه، ثم توالت الاقتباسات من الرواية الغربية ـ خاصة الفرنسية والإنكليزية ـ

إلا أنه وبعد يوليو/تموز 1952 أصبح الاقتباس يعتمد أكثر على الأعمال الأدبية المصرية، خاصة التي تصوّر الواقع المصري في العهد الملكي، وقبل الانقلاب المُبارك، فنجد أعمالاً لكل من عبد الرحمن الشرقاوي، يوسف إدريس، توفيق الحكيم، يحيى حقي، إحسان عبد القدوس ونجيب محفوظ بالطبع.

كانت تلك الفترة تحتم الاعتماد على الأدب (الوطني) المتماشي مع فترة يوليو وتبعاتها، إلا أن المفارقة تكمن في أن تلك الفترة أيضاً شهدت اقتباسات لأعمال أمريكية، وتوارت كثيراً الآداب الأوروبية، وتشير هذه الإحصائية إلى مدى اعتماد السينما على الأدب.. فمنذ فيلم «زينب» 1930 وحتى عام 1962 قدمت السينما المصرية 52 فيلماً، بينما في الفترة من 1963 وحتى 1973 قدمت السينما 100 فيلم مقتبس.

السينما الجديدة

شهدت الحركة السينمائية الجديدة في مصر ـ آواخر السبعينيات وعقد الثمانينيات ـ وتأثراً بسينما المؤلف والموجة الجديدة الفرنسية، ركوداً في حركة الاقتباس الأدبي، حيث قدّم مخرجو ذلك الجيل سينما بعيدة عن عالم الأدب، كمحاولة لتقديم سينما خالصة، تعتمد لغتها وعالمها، دون الاستناد إلى عمل أدبي، كوسيط ـ

السينما ـ مستقل له جمالياته الخاصة، جيل محمد خان، داود عبد السيد، خيري بشارة، وعاطف الطيب. وإن اعتمد أكثرهم بعد ذلك على عدة أعمال أدبية ـ عربية وأجنبية ـ وفق رؤية وأسلوب كل منهم، دون التقيّد بالنص الأدبي، أو مصدر الاقتباس الأساسي.

وفي الألفية الجديدة أصبح الاقتباس قاصراً إلى حدٍ كبير على ظاهرة الأعمال الأدبية الأكثر مبيعاً ـ مبدأ الدعاية والتسليع ـ وهنا نجد أفلاماً اعتمدت على روايات علاء الأسواني وأحمد مراد، بغض النظر عن سطحية هذه الأعمال، فقط استغلالاً لشهرتها، كمحاولة لضمان نجاح الفيلم، من خلال جمهور السينما، الأعرض بطبيعة الحال من جمهور القراءة.

 



إقرأ أيضاً


التعليقات

لا توجد تعليقات حتى الآن ، كن أول المعلقين

إضافة تعليق





كاريكاتير

إستطلاعات الرأي