عجوز مخادع يوقع بضحاياه ببراعة

2021-09-12 | منذ 1 شهر

انتقام بارد من مجرم لعوب

طاهر علوان*

قدمت السينما بشكل لافت شخصيات تعتبر لاأخلاقية، ومن خلالها عالجت قضايا تتجاوز النظرة الأخلاقية السطحية إلى عمق الذات البشرية بما يتمازج فيه من خير وشر وانتصار أحدهما على الآخر. فنجد مثلا شخصيات اللصوص والمحتالين التي تتراوح بين العقد النفسية والجانب الخيّر فيها حينا، وتقدم على أنها الشر المطلق في تلونه حينا آخر.

فكرة المحتال المرح هي التي تشكل مفتاحاً لمتعة المشاهدة في دراما من الممكن أن تجمع ما بين الكوميديا والتشويق وبما يتيح للمشاهد أن يتوقع من العديد من الشخصيات في تلك الدراما أن تمضي بالأحداث إلى نهاياتها بكل ما تحمله من مفارقات.

لكن القصة تبدو مختلفة في فيلم “الكذاب الجيد” للمخرج بيل كوندون، الذي سبق وعرفناه في قرابة 17 فيلما ما بين كاتب للسيناريو أو مخرج، وهو يقدم الممثل المخضرم الكبير إيان مكيلن في دور روي وقد تخطى الثمانين من العمر في مسيرة حافلة وطويلة عرفه الجمهور خلالها بمشاهدة العشرات من الأفلام والعروض المسرحية، وهو هنا يتألق من جديد وقد بلغ خريف العمر، لكنه ما زال متميزا في أدائه وقوة تعبيره لاسيما وأنه يلعب في هذا الفيلم دورا ملتبسا لذلك الكاذب المحتال والمرح.

شبكة المحتالين

المستويات السردية المتعددة هي من أبرز خصائص هذا الفيلم المتميز الذي يتقمص بطله أدوار شخصيات عدة

في البدء سوف ندرك أنه حتى أولئك الكهول يلجأون إلى برامج التعارف والمواعدة لملء الفراغ في حياتهم، وهو ما سوف يفعله روي وهو يواعد بيتي (الممثلة هيلين ميرين) التي تقاربه في السن، وهو في الواقع يبحث عن ضحايا يقوم بخداعهم لغرض سرقة أموالهم أو الاستحواذ عليها بشتى طرق الاحتيال.

يؤدي روي خلال ذلك أدوارا متعددة مزدوجة فهو في علاقته مع بيتي يمثل دور العجوز الذي يعاني من صعوبة في المشي ومن عقوق الأبناء مستدرا العطف وهو في علاقته مع ثلة من المحتالين الذين يجتمع بهم للإيقاع بناس أثرياء، فإنه هنا يرأس مجموعة المحتالين إلى درجة التفوق على المافيا الروسية والإيقاع بها وسرقة أموالها.

وهكذا يمضي روي في تعقب بيتي وصولا إلى الانتقال للسكن معها في نفس المنزل، لكنه خلال ذلك يتمكن من إقناعها بمساعدة زميل محتال مثله بأن يجمع ثروتيهما معا، وذلك من أجل أرباح ومكاسب مضاعفة، بينما كان كل همه هو وضع اليد على ثروة تلك المرأة.

لا يتورع روي عن ارتكاب أي جريمة في حال تعارضها مع مصلحته وهو ما سيفعله بالفعل مع أحد زملائه عندما ينهي حياته برميه أمام قطار الأنفاق، ولهذا فإنه يندفع باتجاه الاستحواذ على ثروة بيتي من خلال التودد لها من جهة وإغرائها بأرباح كبيرة وكل ذلك في سياق خطوط درامية تخفي تحتها كثيرا من الأسرار، من قبيل التساؤل لماذا يلاحق روي هذه المرأة تحديدا أو لماذا هي تلاحقه وذلك ما سوف نكتشفه فيما بعد.

الانتقام بعد عقود

إيان مكلين ما يزال يلعب دور المراوغ اللعوب على الرغم من بلوغه من العمر عتيا

لا شك أن المستويات السردية المتعددة هي من أبرز خصائص هذا الفيلم المتميز، وخلال ذلك كان روي يتقمص أدوار شخصيات عدة متنقلا في ما بينها ببراعة وصولا إلى تقمصه صفة رجل مافيا ومتحدثا بلسان شخصيات متعددة، فذلك الرجل الطيب الودود ليس هو بالضرورة من تقابله في اجتماعات عصابة الاستثمار، فهو هنا رجل شرير ومتقلب ولا يمكن الوثوق به.

على أن الحبكة الثانوية أو الفرعية هي التي ساعدتنا للمضي في هذه الأزمة وهي تنطلق من زيارة روي وبيتي لبرلين، وبالصدفة سوف يقابلان من تدعي بيتي بأنه حفيدها، هنا سوف ندخل لأول مرة في ماضي روي الإنجليزي الذي هو في الأصل هانز الألماني، وبعد أكثر من 50 عاما سوف نكتشف علاقاته بالنازية وكيف تمكن من الهرب والتملص من مسؤولية قتل صديق له ثم انتحال صفة الصديق القتيل وهويته، وكل تلك الحقائق سوف تفتضح تباعا حتى وصول روي إلى نقطة اللاعودة في تلك الدراما بالاستيلاء على كامل موارد المرأة بعد إقناعها بربح مالي وفير.

في الجانب التاريخي وفي إطار العودة إلى الماضي سوف نكتشف أجواء قاتمة تحت سيطرة النازيين ومن خلال شخصية روي المتقلبة وانتهازيته المفرطة والتي دفعته إلى تغيير شخصيته منتحلا شخصية أخرى لكن ما لم يكن بالحسبان أن بيتي هي من نصبت الفخ لروي وليس العكس كما يظن هو في سياق معلومات محجوبة عنا لاسيما وأن بيتي طالما تستدعي من تسميه على أنه أحد أحفادها الذي يقوم بفتح الصفحات الغامضة والمخفية من تاريخ روي.

هذا التحول بل قل الانقلاب الدرامي غير المتوقع هو الذي سوف يقودنا إلى صفحات أخرى شديدة القتامة في تاريخ حياة روي لاسيما وأن بيتي هي ليست في الحقيقة إلا فتاة ألمانية الأصل كان اسمها ليلي، وكان روي قد اغتصبها وتسبب في تدمير عائلتها من خلال الوشاية بها، وها هي قد أعدت فصول هذه المسرحية لكي توقع بألد أعدائها الذي كانت تكن له حبا في يوم ما.

تمتزج في هذه الدراما المفارقات وكوميديا الكهول والتاريخ والجريمة في كل متكامل تم نسجه في إطار سردي متوزان ورصين، وتم تقديم شخصية إيان مكلين في خريف العمر وما يزال يلعب دور المراوغ اللعوب على الرغم من بلوغه من العمر عتيا إلا أنه على الرغم من ذلك ما تزال في نفسه حاجة للإيقاع بضحاياه وسرقة أموالهم وتركهم في مهب الريح.

 

  • كاتب عراقي مقيم في لندن

 



إقرأ أيضاً


التعليقات

لا توجد تعليقات حتى الآن ، كن أول المعلقين

إضافة تعليق





كاريكاتير

إستطلاعات الرأي