السينما الإيطالية في حلتها الواقعية ولمساتها الساحرة

2021-09-10 | منذ 2 شهر

ناصر الحرشي*

عبر تاريخها الطويل الحافل بالإنجازات والمتغيرات، رددت السينما الإيطالية أصداء التأثيرات العاصفة التي تعرضت لها الحياة الإيطالية، لاسيما في فترة ما بين الحربين العالميتين، وصعود فاشية موسوليني، ثم هزيمتها وخروجها من المسرح السياسي بعد أن خسرت الحرب ضد الحلفاء وما تلا ذلك من أزمات اقتصادية واجتماعية، ثم فترات الركود والكساد التي عانت منها السينما الإيطالية. لكن في خضم ذلك ومن رحم الخراب الروحي وغصص الهزيمة، وانعدام الشرط الإنساني في واقع ما بعد الحرب الممزق طبقيا والمنقسم سياسيا، ولدت الواقعية الإيطالية محاولة رأب الصدع والوقوف على طبيعة الانحطاط الذي دفع الشعب الإيطالي لصنع طاغيته.

لقد ادرك السينمائيون الإيطاليون توثيق ما يحدث على أرض الواقع، لذلك كان هذا المخاض الفني الجديد ما بعد الفاشية قد تظافرت فيه عوامل الوعي الفلسفي والنقدي الهادف إلى تأصيل النزعة المناهضة للفاشية ومؤسساتها، وكذا التخلص من أوهام إحياء أمجاد الإمبراطورية الرومانية القديمة، التي نخرها فساد طغاتها وتلبستها نذر الشر.

على الرغم من ان السينما الإيطالية في أحلك مراحلها تدين بوجودها واستمرارها للدولة الفاشية، إلا أن أفلام جيل الواقعية الكبار (روسيليني، دي سيكا، فيسكونتي والكبير فيديريكو فلليني) مثلت إيذانا ببدء مرحلة سينمائية جديدة، اختارت أن تكون ملتزمة بقضايا المجتمع والسياسة.. وكشف مظاهر الخداع السياسي وجرائم العصابات

المنظمة (المافيا) والتحلل الأخلاقي (فساد رجال الدين في الفاتيكان) لذا عد الطابع الإنساني في الأفلام الواقعية دعوة صريحة ذات بعد سياسي للنهوض بإيطاليا جديدة تليق بالإيطاليين، بل نزوعا سينمائيا تطهيريا ينشد الخروج من براثن الماضي والتخلص من عقده ومن شبح قيصره المزيف (وصفٌ وصَفَ به غرامشي الديكتاتور الفاشي موسوليني في مذكراته دفاتر السجن).

 من فيلم «قيصر يجب أن يموت»

إذن الواقعية سمة إيطالية في السينما من ناحية تأملها صورة الواقع، وليس فقط مجرد توثيقه، تلك بصمتها الخاصة وعامل تميزها ورواجها.

وقد تأثرت بالسينما السوفييتية والفرنسية، وحملت في خطابها أعباء الأيديولوجيا والتحريض المباشر على تغيير الواقع من جراء تفاعلها مع جيل جديد رافض للحرب ومتمرد على قيود البنية الاجتماعية المحافظة، حين ذاك كان لا بد من الاعتراف بالهزيمة وتجاوز هول الصدمة، ودرء تهمة الفاشية على الشعب الإيطالي.

لقد استعادت السينما قدرا من إيمانها بخصوصيتها، فلم تغب هموم السياسة والاحتجاج الاجتماعي في السينما الإيطالية والمعاصرة كأفلام جيليوبونتي كورفو، وفرنشيسكو روزي، وأيتيوري سكولا) كما أنها لم تكن نبتا شيطانيا بلا جذور، ففي فيلم «أصبح لدينا بابا» /2011 لجأ المخرج الإيطالي إلى الكوميديا السوداء لتعرية أزمة الحبر الأعظم وتعطشه للانقضاض على المنصب البابوي.

في حين قدم المخرج الأكثر شهرة روبيرتوبنيني بحس مرح وأداء ممتع شهادة سينمائية ملحمية عن إمكانية العيش بسلام وأمل في حياة خربتها الحرب وحاصرها أصحاب القمصان السوداء الفاشست، بعد أن غادرتها المعجزات في فيلمه «الحياة جميلة» الذي نال جائزة الأوسكار لأفضل فيلم عام 1997.

في ما تناول فيلمه اللاحق «النمر والثلج» 2005 الذي يؤدي فيه دور البطولة، قصة حب ساخرة بين شاعر وصحافية تحت نيران ودوي المدافع، في حين سيفتش المخرج المبدع باولو سورينتينو عن أشباحه وحكاياه في فيلمه المميز «الجمال البهي» 2013، ليقدم للعالم صورة استعارية عن روما مدينة الأحلام التي يسكنها التاريخ الأثيل وتخلد في قداسة معمارها ومتاحفها أروع الأساطير، روما فيلليني يعاد بعثها من جديد، ولا ننسى شكسبيريات فرانكو زيفريلي الكلاسيكية في فيلمه «قيصر يجب أن يموت» المتوج بجائزة الدب الذهبي 2012 الذي يعيد موضوع تراجيديا يوليوس قيصر، وقصة مقتله على يد رفيق دربه بروثيس.

أما فيلم «النصر» 2009 فطرح المخرج الإيطالي المخضرم ماركو بيلوتشيو رؤية سينمائية مثيرة عن سيرة موسوليني منذ ريعان شبابه حتى إعدامه هو وعشيقته كلارا بيتاتشي، حيث سرد قصة صعود الفاشية واندحارها.

وقد استند الفيلم إلى التفاصيل الواردة فيه في كتابي «زوجة موسوليني» لماركوزيني و«النجل السري للدوتشي» لألفريدوبياروني، الذي عرض فيه سيرة هذا الزعيم الأسطورة، الذي قاد بلاده إلى نكبة حقيقية، ومن خلال المشاهد الأخيرة لهذا الفيلم بحركة بطيئة لآلة فولاذية، تكبس هذه الأخيرة بقوة تمثالا برونزيا لرأس الدوتشي، مبشرة بانطفاء الحرب ونهاية رموز الفاشية وعودة إيطاليا إلى حياتها الطبيعية، بعد أن تخلصت من شياطينها.

دون أن ننسى فيلم «روما عام الصفر» ثم فيلم «روما مدينة مفتوحة» اللذين تناولا الثيمة نفسها، السياسة والحرب.

في هذه اللمحة السريعة استحضرنا ماضي وراهن السينما الإيطالية وكيفية اشتغالها في شرطها التاريخي والسياسي والاجتماعي.

 

  • كاتب مغربي

 



إقرأ أيضاً


التعليقات

لا توجد تعليقات حتى الآن ، كن أول المعلقين

إضافة تعليق





كاريكاتير

إستطلاعات الرأي