سينما شعرية لا تعني الشعراء وحدهم

2021-09-04 | منذ 2 شهر

الإنسان والطبيعة في مواجهة الحرب

طاهر علوان*

لا شك أن فعل القراءة والثقافة الشفاهية سبقا السينما بزمن بعيد، بينما جاءت السينما بفكرة الاكتشاف التكنولوجي القائم على فكرة انعكاس الضوء والتقاط حركات الأجسام والأشياء ومن ثم ليتكامل ذلك الانغماس في الحياة والطبيعة في البراعة الكاملة والاكتناز الجمالي الذي تمثله اللقطة السينمائية وصولا إلى الإطار أو الفريم الواحد.

تلك الوحدات البنائية للسرد السينمائي استوجبت العثور على الصورة وهي نقطة انعطاف وملتقى مع الشعر القائم بالأساس على العبقرية في إنتاج الصورة التي بالإمكان تخيلها، بينما الصورة السينمائي هي بما تحمله لدى مشاهدتها.

وإذا كانت هنالك حساسية لتلك الصورة الشعرية في أزمنة خلت وخاصة مع الموجات الطليعية والتجريبية ومع تجارب سينمائيين أفذاذ قدموا تجربة السينما الشعرية بجميع أبعادها، فإن انشغال الفيلم بتقديم حكاية وما هو مروي قد احتلت مساحة أضعفت الصورة الشعرية وأشغلت طواقم السينما بجذب الجمهور إلى الحكاية وإلى حالة الإبهار البصري أكثر من أي شيء آخر.

سردية شاعرية مؤثرة تحتاج صبرا وتأملا عميقا إبان المشاهدة التي تتدفّق تباعا وعفويا ولا تعرف حدودا للإشباع

ولاحظ ما نشاهده منذ عقود من طوفان أفلام الحركة والإثارة والرعب وسلاسل الكائنات الخارقة وقارن ذلك مع الشكل السينمائي الذي قوامه الصورة وجمالياتها، كما هي لدى تاركوفيسكي وعباس كياروستامي وبازوليني وفليني وكوكتو وجين فيغو وبيلا تار وكيشلوفيسكي وتيرنس ماليك وجيرزي سكوليموفيسكي وغيرهم.

وفي واقع الأمر إن إشكالية السرد السينمائي – الحكائي هي التي يمكن الحديث عنها في موازة النص الشعري المكتنز بالطاقة الشعرية وخزين الصور المتدفقة ولاحظ مثلا وصف المكان والبيئة والملامح وانعكاس الأشياء وتمثل الشخصيات والإحساس بالزمن، كل ذلك يتكاثف في متن الصورة الشعرية - السردية السينمائية.

في فيلمه الأخير “حياة مخبأة” ينحو تيرنس ماليك منحى مختلفا عن أفلامه السابقة، حيث تكون الحرب باعتبارها تحولا وجدانيا عميقا له آثاره هي المحرك الذي من خلاله تنتظم الأشياء، كنّا نتمنى أن نبني لنا عشّا هانئا في الأعالي، كنا نتمنى أن نحلّق باتجاه الجبال، هي بضع كلمات وتمنيات على شاشات معتمة ما تلبث أن تزيحها صور من الماضي تجعل مثل هذه التمنيات نوعا من الخرافة ومعها ننطلق في سرديات ماليك التي تتوارى فيها الصور خلف شعرية – مكانية لمعاناة إنسانية عميقة وبذلك يحتاج المبدع هنا إلى إيجاد موازنات شديدة الحساسية.

نقطة التمركز الإنساني بالنسبة إلى الشخصية الرئيسية فرانز وزوجته فاني في هذا الفيلم تتجلى من منطلق كونه فلاحا لا علاقة له سوى بالأرض، والطبيعة، وإذا بنا من نقطة التمركز الإنساني هذه سوف نجد الفلاح - الإنسان والأسرة الصغيرة ثم الأرض والطبيعة في مواجهة الحرب، فما الذي ستفعله الحرب بكل هذه المعطيات مجتمعة؟

إنها سوف تشوه ذلك النسق الشعري المكاني إلى تغييب كامل للحس الإنساني وتأسيس بديل للبشاعة الإنسانية والنزعة الدموية والوحشية القائمة على فكرة السيطرة والاستبداد والإذلال الذي لا ينتهي وهو ما كنا وجدنا صداه أيضا في رائعة المخرج الألماني فولكر شولندروف “طبل الصفيح” المأخوذ عن رواية المبدع الكبير غونتر غراس.

هنا سوف تقمع الذات في صور متتالية من العذابات غير المرئية التي تجعل من ذلك الطفل عاجزا عن النمو بينما الأحداث من حوله وهزات الحرب تفعل فعلها في الكائنات الهشة، وخذ ذلك المشهد الذي يكتشف فيه الجميع في أثناء نزهة على الشاطئ ذلك الخليط البشع من الرأس الحيواني والسمك الذي يشبه الأفاعي وهو يقيم في تجويف الرأس.

 شاعرية الصورة والمكان

وإذا مضينا في تلك الموازنة العميقة فإننا نجد المخرج تيرنس ماليك وقد جسد نوعا من العلاقة التكاملية بين الإنسان المتماهي مع الطبيعة حتى غدا من الصعب، إن لم يكن من المستحيل، انفصاله عنها، من هنا يزجّ المخرج بمنظومة بصرية هائلة ومتنوعة لعرض المكان الطبيعي وشكله وتموجاته وتفاعله مع الذات البشرية بطريقة لا تخلو من حلول تصويرية – شاعرية، التفاعل مع الهواء والطير والشجر ومواسم الحصاد والنهر والبئر والحيوان، كلها ينشب في وسطها فرانز حتى تغدو جزءا عميقا من ذاته ولهذا لا يتخيل انفصاله عنها.

سردية شاعرية مؤثرة تحتاج صبرا وتأملا عميقا إبّان المشاهدة تلك التي تتدفّق تباعا وعفويا ولا تعرف لها حدودا للإشباع، أو أنك لا تستطيع بالضبط أن تفهم أين ومتى يمكن أن تبدأ اللقطة أو المشهد، فالطبيعة تدور بمواسمها المتعدّدة والإنسان يدور معها، وهو يشقى فيما أسطوانة النار التي تمثلها الحرب تدور وتتنقل من بلد إلى بلد وتحرق في مسيرة انتقالها كل شيء.

كانت تجارب عباس كياروستامي المحتفي بالمكان كما في فيلمه “الريح التي تحملنا” تقدم لنا أيقونات شعرية لا تنفذ جمالياتها حتى يمكنك القول إنها أشجار كياروستامي وطرقاته المتعرجة وهناك سوف يترك لصوت الشخص الثالث أن يروي سيرة تلك المفردات والانطباعات الكامنة عنها، هنالك معلقون يفصحون بصور شعرية فذة ماذا يعني المكان وكيف نراه وهو يتصدع ويتآكل أو كيف يتم هجره أو التماهي ثم الانصراف عنه في متوالية شعرية فريدة وقل نظيرها تكتنز بها تجارب السينما الشعرية المتدفقة على الحياة والإنسان.

 

  • كاتب عراقي مقيم في لندن

 



إقرأ أيضاً


التعليقات

لا توجد تعليقات حتى الآن ، كن أول المعلقين

إضافة تعليق





كاريكاتير

إستطلاعات الرأي