فيلم «ميموريا» : صوت غامض يربط الحاضر بالماضي البعيد

2021-08-19 | منذ 2 شهر

نسرين سيد أحمد

يبدأ «ميموريا» للمخرج التايلندي أبيشاتبونغ ويراسيتاكول، الحائز جائزة لجنة التحكم في مهرجان كان السينمائي لعام 2021، بصمت ممتد وامرأة في فراشها، ويقطع هذا الصمت المطول صوت ارتطام، كما لو أننا في صمت وهدوء يضمان الكون، لا يقطعهما إلا ضجيج بشري لا يلبث أن ينتهي لتعود السكينة مجددا.

ربما يكون هذا الارتطام الذي يوقظ تلك المرأة من مرقدها في مستهل الفيلم دعوة لها حتى تخرج من سُباتها وعيشها في اللحظة الآنية للتواصل مع حيوات أخرى وأبعاد أخرى للوجود لا نعيها نظرا لانشغالنا بالصخب الدائم للحياة.

في «ميموريا» أول فيلم ناطق بالإنكليزية للمخرج التايلندي، يصحبنا ويراسيتاكول في عالمه التأملي، الذي ينداح كقصيدة.

ربما لا يمكننا أن نسبر أغوار كل ما تحمله هذه القصيدة البصرية من معنى، لكنها تأسرنا بإيقاعها الهادئ، وتبقينا تحت سطوتها طويلا. يصحبنا المخرج في رحلة ندرك فيها أن الحاضر والماضي، ومن هم على قيد الحياة ومن رحلوا عنها يمكنهم أن يجتمعوا.

يدعونا الفيلم للتساؤل عما يبقى منا عندما نرحل من هذه الدنيا.

ترى هل نندثر ونفنى تماما؟ أم هل تبقى منا ومضات وأصوات يمكن للعالم الإصغاء إليها إذا أمعن النظر وأصغى جيدا. «ميموريا» فيلم ينسينا في صحبته الصخب، وحين يصمت ضجيج العالم ندرك معنى أعمق وأرحب للحياة والكون.

قد يبعد الإيقاع الرتيب الهادئ للفيلم بعض المشاهدين، لكن أولئك الذين يسمحون لإيقاعه الهادئ ونغماته الخفيضة أن تتغلغل في أعماقهم سيجدون فيه الكثير من الرحابة، والتأمل والعمق الفكري والإنساني.

يقدم ويراسيتاكول فيلما متطلبا، يدعونا إلى التعمق في ما يحمله من أفكار ومن بعد إنساني، ويجعلنا نمعن النظر في وجودنا على الأرض.

وكما اعتدنا من ويراسيتاكول في فيلميه «العم بونميه يتذكر حيواته السابقة» المتوج بالسعفة الذهبية في مهرجان كان عام 2010، و»مقبرة الروعة» يمضي «ميموريا» كحلم يحمل في طياته الكثير من التأمل الوجودي.

الشخصية المحورية في الفيلم، الذي تدور أحداثه في كولومبيا في أمريكا اللاتينية، هي جيسيكا (تيلدا سوينتون في أداء مُلهم) التي تحاول الوصول إلى سبب هذه الطرقات الغامضة التي لا يسمعها إلا هي. تبحث جاهدة عن مصدر هذه الطرقات الغامضة، التي تشبه ارتطام جسم معدني بمبنى.

رحلة بحث تبحر فيها جيسيكا في أعماقها، وفي أسباب وجودها وأسباب وجودنا على الأرض. قد يختبر إيقاع «ميموريا» ورحلة جيسيكا الشبيهة بالحلم صبر البعض، لكن هذا البحث المتأمل هو الهدف الرئيسي للفيلم.

يبدأ الفيلم بتلك الطرقات غير المبررة أو المفهومة، التي توقظ جيسيكا من نومها في مكان لا تألفه. تأتي جيسيكا، وهي بريطانية تمتلك مزرعة متخصصة في النباتات النادرة في مديين في كولومبيا، إلى العاصمة بوغوتا لزيارة شقيقتها المريضة، وهناك في بوغوتا تبدأ سماع هذه الطرقات التي لا يسمعها سواها.

وفي رحلتها عن البحث عن ماهية الطرقات، تتعرف على مهندس صوت يُدعى إيرنان، تحاول جيسيكا مع إيرنان تخليق صوت يشبه تلك الطرقات الغامضة. لكن الحصول على صوت مشابه مسجل على اسطوانة لا يمنحها القدرة على فهم هذا الصوت، أو يطلعها على مصدره، ولا يمنحها القدرة على فهم ما تسمعه هي دون سواها. لا تبحث جيسيكا عن مبرر طبي أو صحي لهذا الصوت الذي يطاردها ويوقظها من نومها، بل تسعى إلى ما هو أعمق من ذلك.

تأخذها رحلة بحثها هذه إلى أعماق تاريخ كولومبيا وماضيها السياسي، وما مرت به من مآس وآلام. وتواجه في رحلة بحثها الحاضر والماضي، اللذين يمتزجان ويتعايشان، وتمضي في رحلة بحثها لتصل إلى الكشف الذي ينتهي به الفيلم.

يأتينا «ميموريا» كحلم، أو رؤية متأملة للوجود. قد لا تجد جيسيكا تفسيرا للظاهرة الصوتية التي تواجهها في الطب الحديث، لكن وجودها وسط الغابات الرحيبة في كولمبيا يعطيها القدرة على التواصل مع ماضي هذه البلاد وأهلها، كما لو أن الحاضر والماضي يتزامنان ويتعايشان.

لا يسعى ويراسيتاكول إلى فهم ماضي كولومبيا وما مرت به من أحداث ومآس فقط، بل يسعى إلى فهم الماضي الإنساني بأسره. هذه الطرقات الغامضة، ربما تشير إلى ما مرّ بذلك البلد في أمريكا اللاتينية من عنف وأحداث جسام، وربما يشير إلى العنف الذي يحدثه الإنسان والدمار الذي يلحقه بالطبيعة.

تذهب جيسيكا لاستكشاف منطقة أثرية في عمق الغابات في كولومبيا، لكنها تلتقي في رحلتها برجل يربط الماضي بالحاضر ويقدم لها تفسيرا لتلك الظاهرة الصوتية التي شغلتها طويلا. يقدم ويراسيتاكول تفسيرا قد يثير عجب الكثيرين، لكنه يأتي متسقا مع النهج التأملي لمخرج الفيلم.

تؤدي تيلدا سوينتون دور جيسيكا بإتقان وحساسية بالغين. تبدو سوينتون، بجسدها النحيل وبشرتها شاحبة البياض، كمرأة تعاني من أرق وألم لغز كبير لا يمكنها تفسيره. جيسيكا غريبة في بلد غريب، وفي بيئة تختلف كل الاختلاف عن بيئتها، وتجسد سوينتون شعور جيسيكا بالغربة والوحشة، بنظرتها الزائغة القلقة وبكل تعبيرات وجهها المرهق الغارق في تأمل دائم.



إقرأ أيضاً


التعليقات

لا توجد تعليقات حتى الآن ، كن أول المعلقين

إضافة تعليق





كاريكاتير

إستطلاعات الرأي